«نظيف الثياب، بشوش الوجه، طَلْق المحيَّا، وضَّاء الجبين، عفَّ اللسان، لا يُضمر سوءاً لأحد، معتدلاً في حياته ومعيشته، يتحرز في دينه، ويحذر الحرام، ويحفظ حقوق أصحابه، ولا يُحرم على نفسه الطيبات»، هكذا تحدث طلاب العلم عن أستاذهم أبو العباس المرسي «616 - 686 ه»، وتلك شهادة على ما كان عليه ذلك العابد الزاهد الذي قضى عمره في عبادة ربه متقرباً تقياً وورعاً، وذلك ما نقله عنه المؤرخون والعلماء.
ولد شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حسن بن علي الخزرجي الأنصاري المرسي، في مدينة مرسية في الأندلس، ومنها حصل على لقبه المرسي، والذي أصبح اسماً متداولاً في مصر، ويقال إن نسبه يتصل بالصحابي سعد بن عبادة، وكان جده الأعلى قيس بن سعد بن عبادة أميراً على مصر من قبل الإمام علي بن أبي طالب سنة 36 ه.
نشأ أبو العباس في كنف أب يعمل في التجارة، فكان أن أرسله إلى معلم من أجل أن يتعلم القرآن ويتفقه في أمور الدين، ويرى المؤرخون أنه كان نجيباً فحفظ القرآن كله في سنة واحدة، وتعلم أصول القراءة والكتابة وأصول الفقه في الأندلس، وتحدث الناس عن أخلاقه الحسنة، حيث شارك والده في عمل التجارة، فكان يخصص مكسبه منها للفقراء والمساكين وأبناء السبيل، ويكتفي من أرباح تجارته بما يقيم أوَدَه.
لعل من الصفات الجليلة التي اتصف بها المرسي، الصدق والأمانة، حيث كان يعد قدوة للتجار في عصره في التأدب بأدب الإسلام والتمسك بالعروة الوثقى ورعاية حقوق الله، فهو يصوم أياماً كثيرة من كل شهر، ويقوم الليل إلا أقله، ويمسك لسانه عن اللغو واللمم.
ويروى أن والده قد اعتزم الحج فصحبه معه وكذا أخاه وأمهما، فركبوا البحر عن طريق الجزائر حتى إذا كانوا على مقربة من شاطئ تونس هبت ريح عاصفة أغرقت المركب بمن فيها، غير أن عناية الله تعالى أدركت أبا العباس وأخاه، فقصدا تونس واتخذاها داراً لهما.
وفي تونس، توجه أبو العباس نحو تعزيز حياة الزهد، خاصة بعد الواقعة التي حدثت لأسرته في البحر، وما عضد من ذلك الأمر، اللقاء الذي جمعه مع أبي الحسن الشاذلي في عام 640ه، وصحبه حتى انتقل معه إلى مصر، حيث أخذ العلوم على يديه، وكان أبو العباس نعم التلميذ، وتزوَّد بعلوم عصره، فصار صاحب مكانة كبيرة، وتجمع حوله تلاميذ من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
وبعد وفاة الشاذلي سنة 656 ه، تولَّى أبو العباس مشيخة الطريقة وكان عمره حينها أربعين سنة وظلَّ يحمل لواء العلم والتصوف حتى وفاته، بعد أن قضى أربعةً وأربعين عاماً في الإسكندرية، التف خلالها حوله الكثيرون ممن انتفعوا بعلمه، وفي واقع الأمر، أن المرسي اقبل على طريق السالكين من خلال خلفيته، فقد اشتهر بالزهد والتدين والورع، لذلك لم يكن التصوف بالنسبة له تبطلاً، ولا تعطلاً، ولا تركاً للسعي أو الأسباب.
إذا كانت الخطب والمواعظ والمؤلفات سبيله لمخاطبة الناس لنشر أفكاره، فقد عبر عن ذلك أيضا بكتابة الشعر، ولم تكن قصائده تدور فقط حول الذكر والتضرع، كما يفعل الشعراء المتصوفة، بل إنها كذلك حملت رؤيته الفلسفية حول كثير من المفاهيم منها الفطرة الإنسانية، أو فطرة النفس، فهي شأنه لا يحيط به عقل.
توفي المرسي، ودفن في الإسكندرية في مقبرة باب البحر، وكان هذا الموضع وقت وفاته، جبانةً يُدفن فيها الأولياء، وتغير حاله من بعد ذلك وصار مسجداً صغيراً بناه زين الدين القَطَّان، وأوقف عليه أوقافاً، وفي عام 1943م أُعيد بناء جامع أبو العباس مرة أخرى، وهو اليوم أكبر مساجد الإسكندرية، وقام ببنائه وزخرفته المهندس الإيطالي ماريو روسي، ويعتبر من المعالم المهمة ليس في مصر وحدها بل كل العالم الإسلامي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك