منذ أن بدأ شهر رمضان المبارك، تغيّرت أنماط حياة المسلمين لتنسجم مع الشهر الفضيل الذي يفرض أجواءه ذات النكهة الخاصّة.
حلّ شهر الصيام هذا العام في ظروف صعبة تلقي بظلالها الثقيلة على ملايين المسلمين، بين الحرب والمجاعة والنزوح وانهيار مقومات الحياة، ويفرضٍ الشهر على المسلمين عبادات يحاولون فيها ترميم أرواحهم ببركات الشهر الفضيل، في ظل غياب شبه تام لمقومات الحياة البسيطة.
أغلب المسلمين يمارس حياته وفق عاداته، غير عابئ بأوضاع غيره في البلدان التي تعاني من أزمات سياسية أو اقتصادية.
ولكن برغم ذلك لا يستطيع الصائم الذي يتمتع بروح مسؤولة تجاوز التفكير في أوضاع الآخرين.
ففي الفضاء الواسع يمكن ملاحظة التغيّر الذي يطرأ على حياة الشعوب المسلمة خلال شهر رمضان، ولكن ماذا عن الفضاء المقفل وراء القضبان؟ كيف يعيش المعتقلون، خصوصا السياسيين منهم، أجواء الشهر وهم في عزلة عن مجتمعاتهم؟ وماذا عن الصائمين الذين يقضون شهرهم تحت الاحتلال؟ وبشكل أدق: ما شكل شهر الصوم الذي يعيشه أهل غزّة بين أكوام الدمار الذي تعرضت له منازلهم على أيدي قوات الاحتلال؟تشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي (الفلسطيني) إلى تدمير أكثر من 835 مسجدا بشكل كلي و180 بشكل جزئي خلال العامين الماضيين.
لذلك عمدت وزارة الأوقاف إلى نصب خيام بديلة للصلاة في مواقع المساجد المدمرة.
وللمرّة الثالثة منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، يستقبل الفلسطينيون الشهر الفضيل وسط دمار غير مسبوق.
فقد دمّر الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 1000 مسجد، وهو جريمة تصنّف ضمن الاضطهاد الديني قد ترقى لتكون جريمة حرب.
ومن نتائج العدوان الإسرائيلي غياب أصوات قرّاء القرآن وحفظته بالإضافة للخطباء الذين يُفترض أن يتحدثوا على المنابر ويشاركوا في بث الوعي الديني خلال شهر الصوم.
ويجتهد الأسرى في سجون الاحتلال لصناعة الحلوى “كالكنافة والقطايف” من بقايا الطعام والخبز وقليل من المواد المضافة والمتوفرة لديهم من أجل إدخال البهجة والسرور على أنفسهم في ظل رفض إدارة السجون إدخال الكثير من المواد الغذائية الأساسية التي يطلبها الأسرى.
ومع اقتراب موعد الإفطار يتجمع الأسرى في حلقات الذكر والدعاء وقراءة القرآن بينما ينشط المسؤولون عن الطبخ لإنهاء الطعام، في حين يقوم بعضهم بتوزيع التمور.
ومع أذان الإفطار الذي يتولاه أحد الأسرى في القسم، يسارع الأسرى في كل غرفة لأكل التمر والوجبة المُعدة لهم والإفطار، ويؤدّون صلاة المغرب ومنها لصلاة التراويح.
وحسب الهيئة، فإن إدارة سجون الاحتلال الإسرائيلية تمارس كل أنواع المضايقات بحق الأسرى في هذا الشهر الفضيل لمضاعفة معاناتهم، منها منع تجمع الأسرى من خلال إغلاق الغرف.
كما تتعمّد الإدارة إجراء التفتيشات اليومية، والمفاجئة، وتفريق الأسرى أثناء قيامهم بنشاط معين، وإزالة العديد من أصناف المواد الغذائية من كانتينات السجون “المقصف”، وتقديم اصناف طعام سيئة الكم والنوع للأسرى الذين يقبعون في مراكز التحقيق والتوقيف (كعصيون وحوارة وغيرهما)، بل تتعمد في كثير من الأحيان تأخير وجبات الإفطار للموقوفين في هذه المراكز الى منتصف الليل.
وما يزال هناك قرابة المليوني نازح، أجبرهم الاحتلال على العيش في خيام مهترئة بعد تدمير منازلهم بشكل منهجي.
وبرغم جهود منظمات الإغاثة الدولية لم يطرأ تحسن واضح على ظروفهم الإنسانية لأن “إسرائيل” لم تف بالتزامها فتح المعابر وإدخال المساعدات الضرورية.
وحتى سكان الضفة الغربية لا يهنأون بالأجواء الرمضانية خصوصا مع قيام الاحتلال بمشاريع استيطانية ضخمة غير مسبوقة.
والهدف، كما يراه المراقبون، تفعيل خطّة الضم الفعلي لكيان الاحتلال وإجبار السكان على ترك أراضيهم.
ومع استمرار الإجراءات الأمنية المشدّدة لم يعد باستطاعة الآلاف من الفلسطينيين دخول القدس والصلاة في المسجد الأقصى.
وفي هذا العام استذكر الفلسطينيون الطالبة في جامعة بيرزيت ربى ناصر (22 عاما) التي ما زالت معتقلة داخل السجون مع بقية الأسيرات في ظروف معيشية صعبة.
إن كل السجناء يعانون صعوبات البقاء وراء القضبان خلال شهر الصوم.
ولكن النفس الإنسانية تستطيع عادة التأقلم مع الظروف والاستفادة مما هو متاح.
أمّا السجّانون، خصوصا في البلدان المحكومة بأنظمة قمعية شرسة، فيكثفون التضييق على المعتقلين ويبذلون جهودا لحرمانهم من الجلوس الجماعي سواء لأداء العبادات أم تناول طعام الإفطار.
ولكن هناك حقيقة لا يستطيع أي سجّان تجاوزها، وهي أن الدافع الدّيني المختزن في نفوس معتقلي الرأي يتحدّى إرادة السجّانين، وتتحول القضية إلى صراع إرادات.
بل أن بعض السجناء يرى في الصوم تعبيرا عن تحدّي الاستبداد والاحتلال، ومنه يتذوّق طعم ممارسة “الإضراب عن الطعام” كوسيلة للتعبير السياسي ضمن ما يسمّى “المقاومة المدنية”.
وقد أصبحت هذه الممارسة أحد أساليب المقاومة المدنيّة المؤثّرة، ولكنها قد تكون أحيانا باهظة الثمن.
ويعمد بعض الأنظمة للتمادي في اضطهاد المعتقلين السياسيين والتضييق عليهم خصوصا في ممارساتهم البدنية والدينية، رغبة في كسر إرادتهم، لكي يشعروا بالضعف الذي قد يؤدّي ببعضهم للاستسلام لإرادة السجّان.
مع ذلك تسجّل التجارب الإنسانية صمود الكثير من المناضلين في السجون أمام استفزازات الجلّادين.
ولذلك كثيرا ما حدثت الاحتجاجات داخل السجون وكذلك الإضرابات عن الطعام.
يجدر بالمؤسسات الدولية خصوصا منظمة العفو الدولية الضغط للتوصل إلى ميثاق أممي حول معاملة المعتقلين السياسيين خصوصا في مجال الممارسات الدّينيّة.
رمضان في السجن السياسي هو مزيج معقّد من الألم، والحنين، والصبر، حيث يعيش المعتقلون مشاعر قاسية ناتجة عن الغربة وفراق العائلة.
يسود شعور بالعجز تجاه تأمين احتياجات أسرهم، مع محاولات لخلق أجواء روحانية للعبادة وسط ظروف احتجاز ضيقة وحزينة.
تزداد لوعة السجناء في رمضان شوقاً لـ”لمّة” الإفطار، ويتذكرون تفاصيل الحياة الأسرية التي أصبحت من الماضي خصوصا لدى الذين يقضون أحكاما طويلة الأمد.
وهكذا لا تنتهي معاناة من يحمل قضية عادلة ويناضل من أجلها.
فقد دفع الفلسطينيون أثمانا باهظة بسب تمسكهم بقضيتهم ورفض التنازل عن فلسطين.
ويتكرر المشهد مع المناضلين الذين يقضون شهر صومهم وراء القضبان في الكثير من البلدان.
ففي الوقت الذي يشعر الصائمون بلذّة الشهر الفضيل وأجوائه الإيمانية والاجتماعية، فإنّ الطلائع المناضلة تقضي شهرها وراء القضبان، محاصرة بجدران أربعة.
وفي أحسن الحالات يُسمح لهم بالتجمع خارج الزنزانات فترات محدودة، وقد يؤدّون صلاة الجماعة أو يجلسون على مائدة واحدة.
ومهما كانت ظروفهم فإنها لا تعوّض عما يفتقدونه من أجواء مجتمعاتهم المفصولين عنها تعسّفًا.
وما أكثر القصص التي ترشح من السجون، بعضها حول سوء المعاملة وبعضها رداءة الطعام، وبعضها حول الاضطهاد والحرمان من الزيارات العائلية المناسبة.
برغم كل تلك الصعوبات يصمد السجناء السياسيون في أغلب الأحيان ويرفضون الانصياع لأوامر سجّانيهم.
وبرغم حرمة الشهر إلا أن بعض الحكومات تنفّذ أحكام الإعدام خلال شهر الصوم، كما حدث قبل خمسة أعوام عندما نفذت وزارة الداخلية المصرية حكم الإعدام بحقّ تسعة من المتهمين الصادر في حقهم أحكام إعدام باتّة ونهائية في القضية المعروفة إعلامياً بـ”اقتحام قسم شرطة كرداسة”.
كان ذلك يوم الإثنين 26 نيسان، الموافق الثالث عشر من شهر رمضان.
في ظل هذه الحقائق يجدر بالمؤسسات الدولية خصوصا منظمة العفو الدولية واللجان الحقوقية التابعة للأمم المتحدة الضغط للتوصل إلى ميثاق أممي حول معاملة المعتقلين السياسيين خصوصا في مجال الممارسات الدّينيّة، هذا الميثاق يُضاف لما هو قائم من لوائح ونظم لضمان حماية السجناء من الاضطهاد والتعسّف.
فمن غير المنطقي أو الإنساني الصمت على ما يعانيه السجناء السياسيون من غياب للعدالة وحرمان من الحقوق وتهميش للإنسانية.
فالسجون العربية تضم أكثر من 10 آلاف سجين سياسي، تتفاقم معاناتهم خلال شهر الصوم حين تتكثف مشاعر البعد عن العائلة بشكل واسع.
وقد عبّر العديد من هؤلاء عن معاناتهم في كتب أو مذكرات أصدروها مثل “رمضان بدون سجّان” للمهندس المصري يحيي حسين عبد الهادي، و “سجين سياسي في رمضان” كتبه سامي عربي، سجين لدى الاحتلال، و “مذكرات سجين” لمحمد المفتي من ليبيا وسواهم.
إنها قصص معاناة ذات أبعاد إنسانية مؤلمة، تكشف عمق المعاناة خصوصا في المناسبات العامة مثل شهر رمضان.
ولكنها كذلك تؤكّد عمق الولاء للقضيّة التي يعاني المعتقل من أجلها، وتقدّم نموذجًا آخر لمشاعر الكرامة والإباء التي تختزنها أرواح المناضلين من أجل الحرّيّة والعدالة في عالم يحكمه الظلم والاستبداد والاحتلال.
وهكذا يصبح الصّوم عبادة وعلاقة اجتماعية ومقاومة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك