لم يعش غيوم أبولينير سوى 38 عاماً، ومع ذلك عرف ذلك" الطفل النابغة" حسب تعبير ماري لورنسين، و" ذلك الملك غير المتوّج للثقافة وللنقد الفني"، حسب تعبير بابلو بيكاسو، عرف كيف يحدث رجّة عميقة في دوائر الفن والأدب في فرنسا، مع أن الشرطة الفرنسية ربما لا ترى فيه سوى فرنسي من أصل أجنبي اتهم، ذات يوم، بمحاولة سرقة لوحة" الموناليزا"، وربما لم يكن بالنسبة إلى المهاجرين الروس سوى العشيق المفترض لسيدة روسية الأصل والأب غير الشرعي لابنتها إليزابيث إيبرهاردت، التي ستصبح عاشقة الصحراء وتموت في الجزائر لاحقاً، وربما لم يكن بالنسبة إلى المجتمع المخملي الفرنسي سوى مغامر أفّاق ذي شخصية غريبة ساحرة.
لكن أبولينير، بالنسبة إلى عالم الفن والأدب هو أكثر من هذا بكثير: إنه المؤسس الحقيقي للحداثة الشعرية القصصية، والمساند الأول للحداثة الفنية.
فلئن كان الهواة اكتشفوا عند بدايات القرن الـ20، لوحات بيكاسو وبراك وخوان غريس فاندهشوا بها، فإن جزءاً أساساً من الفضل في هذا يعود إلى أبولينير الذي أدى دوره كناقد فني، بصورة كاملة وأسهم بذلك في خلق تيار بأسره.
أما السورياليون فإنهم، بعد رحيل أبولينير الذي كان قد استبق ولادتهم بأعوام سيظلون يعتبرونه الأب الشرعي لهم.
مهما يكن في الأمر فإن أبولينير كان ابن عصره، كان من أوائل الذين اكتشفوا أن العصر الجديد هو عصر السيارة والتكنولوجيا والسينما والراديو، فكانت دعوته إلى أن تبذل الكتابة، والفن، كل ما في وسعهما من جهود لمواكبة هذا العصر ومستجداته، ومن هنا لن يكون غريباً أن يتنازع على بنوته التكعيبيون والسورياليون معاً طوال ذلك القرن ويتخاطفون، بخاصة، مجموعته" كاليغرام" التي تعتبر من أشهر أعماله على أية حال.
كتب غيوم أبولينير قصائد Calligrammes بين عامي 1913 و1916، أي في الفترة التي سبقت ورافقت الحرب العالمية الأولى، وقد صدر الديوان عام 1918، قبل أشهر قليلة من وفاة الشاعر متأثراً بالإنفلونزا الإسبانية، ليبدو العمل كأنه وصية شعرية لمرحلة كاملة من الحداثة الأوروبية.
والحقيقة أنه لا يمكن فهم ديوان" كاليغرام" من دون العودة إلى المناخ الفني الذي تشكّل فيه في باريس مطلع القرن الـ20، حيث كانت التكعيبية تعيد تعريف معنى الرؤية ذاتها.
في قلب هذا المخاض الحداثي يقف أبولينير، لا بوصفه شاعراً فقط، بل ناقداً فنياً ومنظّراً مبكراً للحركة التكعيبية.
أبولينير الشاعر الذي نظّر للرسم كان صديقاً مقرباً من بابلو بيكاسو، وجورج براك، وكتب عنهما بحماسة نقدية لافتة.
في كتابه" الرسامون التكعيبيون" عام 1913، دافع عن التكعيبية بوصفها ثورة لا على الشكل فقط، بل على طريقة إدراك العالم.
كان يرى أن الفنان الحديث لا يعيد إنتاج الواقع كما تراه العين، بل كما يدركه العقل، أي أن اللوحة لا تمثل الشيء، بل تقدم معرفة جديدة به، وهنا تبدأ الصلة العميقة بين التكعيبية و" كاليغرام".
من تفكيك المنظور إلى تفكيك القصيدة.
قامت التكعيبية على كسر المنظور الواحد، فبدلاً من رؤية الجسم من زاوية ثابتة، بات يُعرض في اللوحة من زوايا عدة في الوقت نفسه.
مثال ذلك لوحة" بنات آفينيون" عام 1917 لبابلو بيكاسو، إذ تتحطم الأجساد إلى سطوح وزوايا، وتختفي وحدة الرؤية التقليدية.
أبولينير نقل هذا المبدأ إلى الشعر: القصيدة لم تعد سطوراً أفقية منتظمة، لم تعد تخضع لإيقاع كلاسيكي أو لبنية تقليدية، الصفحة نفسها صارت فضاء بصرياً حراً، وكما فكّك التكعيبيون الجسد، فكّك أبولينير القصيدة.
ولعل أفضل مثال على هذا التفكيك مجموعته" كاليغرام": تلك القصيدة التي تُرى ولا تُقرأ فقط حيث الكلمات ليست محايدة، إنها تتوزع على الصفحة لتصنع شكلاً بصرياً، حصاناً، برج إيفل، مطراً، ساعة، بندقية.
هذا ليس زخرفاً طباعياً، بل موقف جمالي: في القصيدة التقليدية، الشكل منفصل عن المعنى، في" كاليغرام" الشكل هو المعنى.
وهنا تظهر العلاقة الجوهرية بالتكعيبية: كما أن لوحة براك أو بيكاسو لا يمكن اختزالها إلى موضوعها، كمان، وجه، طاولة، كذلك قصيدة أبولينير لا يمكن اختزالها إلى نصها اللغوي وحده.
بنيتها البصرية جزء من دلالتها، وهنا يأتي التأثير المتبادل: الشعر يدخل اللوحة.
ومن اللافت هنا أن التكعيبيين أنفسهم أدخلوا الكلمات إلى اللوحة، في أعمال براك وبيكاسو بين عامي 1012 و1914، نجد قصاصات جرائد، حروفاً مطبوعة، إعلانات.
الكلمة دخلت اللوحة، وأبولينير فعل العكس: أدخل اللوحة إلى الكلمة، " كاليغرام" إذاً هو الوجه الآخر لـ" الكولاج" التكعيبي.
كُتبت معظم قصائد الديوان خلال الحرب العالمية الأولى، حين كان أبولينير مجنداً.
الحرب نفسها كانت تفكيكاً عنيفاً للعالم الأوروبي القديم.
التكعيبية سبقت الحرب، لكنها تنبأت بتفكك الشكل الكلاسيكي.
و" كاليغرام" جاء ليعبّر عن عالم لم يعد مستقراً، حيث، الزمن متشظٍّ، المعنى غير خطّي، التجربة مفككة، وهذا ينسجم مع الروح التكعيبية التي ترى الواقع كتركيب معقد لا كصورة ثابتة، بمعنى أن البعد النظري يتجاوز المحاكاة.
ففي الفن الكلاسيكي، الهدف هو المحاكاة، أما عند التكعيبيين فالهدف هو خلق واقع جديد.
أبولينير يتبنى هذا المبدأ شعرياً: فالقصيدة لديه لا تصف المطر فقط، بل" تصبح" مطراً، القصيدة لا تتحدث عن برج إيفل، بل تتشكل كبرج إيفل، هنا تتحقق وحدة بين العلامة والشيء، بين الدال والمدلول، بطريقة حداثية جذرية، الحداثة بوصفها عبوراً بين الفنون.
ومن هنا يمكن القول إن أبولينير جسّد لحظة تاريخية نادرة تداخلت فيها الفنون: الرسم يتأثر بالشعر، الشعر يتأثر بالرسم، الطباعة تصبح جزءاً من التعبير، الصفحة تتحول إلى فضاء تشكيلي، وهذا ما جعل" كاليغرام" أحد أوائل أشكال" الشعر البصري" في القرن الـ20.
والخلاصة أن العلاقة بين" كاليغرام" والتكعيبية ليست مجرد تأثير شكلي، بل علاقة فكرية عميقة: التكعيبية في الرسم، " كاليغرام" في الشعر.
تفكيك المنظور الواحد، تفكيك السطر التقليدي، تعدد الزوايا، تعدد مسارات القراءة، إدخال النص إلى اللوحة، إدخال الصورة إلى النص، خلق واقع بصري جديد، خلق قصيدة تُرى وتُقرأ.
كان غيوم أبولينير الجسر بين اللوحة والقصيدة، بين التكعيبية والحداثة الشعرية، ولو لم يكن صديقاً وناقداً لبابلو بيكاسو ورفاقه، لربما لم يولد" كاليغرام" بهذه الصيغة الراديكالية.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).
ولد أبولينير عام 1880، وتلقى دراسة عادية، واتجه أول ما اتجه لكتابة الشعر متأثراً بغلاة رمزيي نهاية القرن الـ19 من أمثال فرلان وريمبو ومالارميه، وكان من شأنه أن يصبح على غرارهم شاعراً رمزياً مطبعاً رمزيته بشيء من الرومانسية، لولا أن بداية القرن الـ20 فاجأته بجديدها.
ولولا أنه اكتشف ابتداء من عام 1903، تلك الحلقة الفنية المؤلفة من رسامين، معظمهم أجانب مقيمون في فرنسا، كانوا هم في طريقهم لأن يصبحوا طليعة الحياة الفنية الفرنسية.
وإذ جاء تعرف أبولينير على هؤلاء، وفي مقدمهم بيكاسو وبراك، بالتواكب مع ارتباطه بالكاتب المسرحي العبثي ألفريد جاري صاحب" أوبو ملكاً"، انقلبت حياة صاحبنا بأسرها، وأدرك أن الرمزية انتهت، وكذلك انتهى الفصل بين الفن والكتابة، فالرسم الجديد، التكعيبي خصوصاً، هو شعر أيضاً وشعر مميز.
من هنا تمازجت لديه ضروب الإبداع تلك وبدأ يكتب النقد ويتابع الحياة الفنية الجديدة بالنقد والتحليل، وفي الوقت نفسه راح يمارس، ويدعو إلى نوع من الشعر والكتابة التكعيبيين، وفيهما تتجاور الأفكار والتعابير في دعوة للقارئ لكي يقيم توليفاً يشارك عبره الشاعر والكاتب إبداعه، بالنسبة إلى أبولينير كانت تلك هي لغة العصور الجديدة.
من هنا ما يقال دائماً من أن هذا الكاتب والشاعر والمغامر الأفاق قد رجّ الحياة الثقافية بأفكاره الراديكالية حول" دور الأدب" وحول تفوق الحقيقة على الجمال.
بالنسبة إليه، وعلى عكس الرمزيين، معلّميه القدامى، لا معنى للفن إن لم يكن حقيقياً، وهذا الشعار هو الذي جعل كثيرين يعتبرونه على رغم صغر سنه، الوالد الشرعي للجماليات الجديدة، تلك الجماليات التي راحت، على لسان أبولينير، تطالب الشعر بأن يسبر أغوار سمات الحياة والحقيقة كافة، ويعبر عنها بلغة معاصرة، حديثة ومفهومة.
كان أبولينير مؤمناً بأن على الشعر أن يستغل الأفكار الجديدة لكي يتماشى مع العالم الحديث، والعالم الحديث كان بالنسبة إليه عالماً تواكب فيه الفنون، وكان يرى خصوصاً أن فن السينما الذي يجمع الفنون كافة، سيكون له شأن كبير مع مرور الزمن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك