العربي الجديد - هانسي فليك فرض انضباطاً أكبر.. نجمَا برشلونة يكشفان الحقيقة إيلاف - ما بعد "خطيئة حزب الله السورية".. ساطع نور الدين يستشرف هوية حكام دمشق المستقبليين روسيا اليوم - الجيش الروسي يسيطر على بلدة في شمال أوكرانيا Independent عربية - "هوانم" الرسام مصطفى رحمة تتجلى بأبعادها الفانتازية العربي الجديد - هاميلتون ينتظر سباق أستراليا للحكم على جهوزية فيراري وكالة شينخوا الصينية - الصين تحث الولايات المتحدة على التوقف عن البحث عن ذرائع لاستئناف التجارب النووية قناه الحدث - زيلينسكي: مفاوضات أوكرانية أميركية في جنيف الخميس قناة الغد - معبر رفح يستقبل قوافل مساعدات.. ودفعة جديدة من العائدين إلى غزة العربية نت - عراقجي يغادر إلى جنيف للمشاركة بالمفاوضات مع أميركا القدس العربي - جيش الاحتلال يشرع بهدم مبنى ومقهى في جنين
عامة

"جيل زد": لست لوحة إعلانية ولتدفع لي الماركات الشهيرة لأرتديها وأسوقها!

Independent عربية
Independent عربية منذ يومين

قبل أن نغادر بيوتنا نعقد ما يشبه الاتفاق الصامت والصارخ في آنٍ مع العالم، نرتدي ثيابنا، أو بالأحرى نرتدي حكايتنا مع اللون والشكل والأسلوب والانتماء والثقافة. فما نرتديه ليس مجرد قطعة قماش اخترناها عبث...

ملخص مرصد
جيل Z يرفض أن يكون لوحة إعلانية مجانية للماركات الشهيرة، ويطالب بمقابل مادي مقابل ارتداء وترويج المنتجات الفاخرة، مما دفع العلامات التجارية لتغيير استراتيجياتها التسويقية.
  • جيل Z يطالب بمقابل مادي لارتداء وترويج الماركات الشهيرة بدلاً من أن يكون لوحة إعلانية مجانية.
  • الماركات الفاخرة تغير استراتيجياتها التسويقية استجابة لمطالب الجيل الجديد.
  • بعض العلامات تتجه نحو تصاميم بلا شعارات صاخبة أو شعارات خفية.
من: جيل Z والماركات الفاخرة

قبل أن نغادر بيوتنا نعقد ما يشبه الاتفاق الصامت والصارخ في آنٍ مع العالم، نرتدي ثيابنا، أو بالأحرى نرتدي حكايتنا مع اللون والشكل والأسلوب والانتماء والثقافة.

فما نرتديه ليس مجرد قطعة قماش اخترناها عبثاً، إنها نحن، أو النسخة المرئية عنا.

ثيابنا وأحذيتنا وأكسسواراتنا سيرة ذاتية من نوع آخر، إنه إعلان لذوقنا من ناحية ومستوانا الاقتصادي من ناحية أخرى، وربما رغبة خفية في الانتماء إلى جماعة تشبهنا أو نتمنى أن نشبهها.

تتعدى الملابس كونها وظيفة بيولوجية منذ زمن بعيد، إنها لغة لا تستعمل من دون معنى.

فحين نختار اللون نختار هيبة ما أو غموضاً أو مساحة ضوء.

وحين نرتدي شعاراً واضحاً لماركة شهيرة معينة، فنحن على الغالب لا نضعه عبثاً، فقد نستدعي من خلاله تاريخاً وقصة وطبقة اجتماعية، وربما وهماً بأننا ننتمي إلى مشهد أكبر من حدودنا الشخصية.

تشبه علاقتنا بما نرتديه علاقة الإنسان ببيته، التي لا تختصر بالجدران، وتتوسع لتكون إحساساً بالأمان والراحة والانتماء، فالثياب تحيط بنا كما تحيط الهوية بالذات، وهي درع حين نحتاج إلى حماية، ومرآة حين نبحث عن تأكيد الأنا، وجسر نعبر فيه نحو الآخرين، لذا لا نرتدي فقط ما يروق لنا بهذه البساطة، إنما ما يطمئننا ويرفعنا درجة في سلم رمزي، وأحياناً نرتدي ما يخفف شعوراً بالنقص لا نعترف به.

وهكذا لا يمكن فصل الذوق عن الانتماء، فالذوق ليس فردياً تماماً، إنه حوار طويل بيننا وبين ثقافتنا وطبقتنا وأحلامنا.

وحين نقول هذا" ستايلي"، نعني أنها هذه النسخة التي اخترنا أن نظهر بها أمام العالم، بما يكاد يكون نسخة تفاوض بين ما نحن عليه وما نريد أن نبدو عليه، أو ما نظن أن الآخرين سيصدقونه عنا.

وقد يكون المثل القائل" كل على ذوك والبس على ذوق الناس" خير دليل على أن المسألة لم تكن يوماً سطحية كما ندعي.

فحتى المقولة الشعبية تفضح التوتر القائم بين الداخل والخارج، نأكل وفق رغبتنا الخاصة، لكننا نلبس ونحن نحسب نظرة الآخر.

نشبع الجسد بما يشتهيه، ونُرضي الصورة بما يرضي المجتمع، وكأن الثياب، أكثر من أي شيء آخر، تقع في منطقة التفاوض الدائم بين الحرية والقبول، وبين الرغبة الشخصية وميزان الرأي العام.

في مدن تتقن النظر والحكم على المظهر، يكفي أن تمشي في شوارعها دقائق معدودة لتفهم أن الأقمشة باتت شيفرات اجتماعية والحقيبة تكاد تكون بطاقة تعريف، والحذاء ربما بيان طبقي صارخ.

وكلما كان الشعار كبيراً وواضحاً يظهر وكأنه مكبر صوت أو عدسة تكبير ضخمة.

في الواقع نحن لا نشتري القماش عادةً، لكننا نشتري إشارة تدل على مستوى الدخل أو الذائقة أو الشبكة الاجتماعية، أو على الرغبة في الانتماء.

بهذه الكلمات شرح عالم الاجتماع والاقتصادي الأميركي ثورستين فيبلن في كتابه المرجعيThe Theory of the Leisure Class (1899) مفهوم الاستهلاك الاستعراضي، " شراء ما لا تحتاج إليه لترى به، لا لتستعمله".

وبعد أكثر من قرن وربع، لا يزال مفهوم فيبلن حياً في واجهات المتاجر وعقول الناس.

يعد الشعار أو الماركة الشهيرة عملة خاصة.

وفي أدبيات التسويق يسمى هذا" إشارة المكانة" status signaling، ولقد أشارت دراسة في الاقتصاد السلوكي أجريت عام 2010 بعنوان Signaling Status with Luxury Goods: The Role of Brand Prominence إلى أن بعض السلع تطلب أكثر لأن سعرها مرتفع، وليس على رغم ارتفاعه، حيث السعر يقرأ كإشارة إلى المكانة الاجتماعية، كلما كان أعلى، ازدادت قدرة السلعة على أداء وظيفة الاستعراض أو إثبات القدرة.

وهذا ما يعرف بتأثير فيبلن وهو يناقض فكرة الاقتصاد الكلاسيكي الذي يعد أنه كلما ارتفع سعر السلعة، انخفض الطلب عليها.

أما تأثير فيبلن Veblen Effect فيعني العكس تماماً، إذ شرح فكرة الاستهلاك الاستعراضي Conspicuous Consumption وهو شراء السلع لإظهار الثراء والمكانة، وليس لوظيفتها الفعلية فقط.

لذا فإن الطلب يرتفع على بعض السلع لأن سعرها مرتفع، فالمستهلكون يستخدمون العلامات الفاخرة لإرسال إشارات مكانة، وبعضهم يفضل الشعارات البارزة لإيصال رسالة واضحة عن الوضع الاجتماعي، لكن الإشارة ليست واحدة دائماً، فثمة إشارة صاخبة مثل" لوغو" كبير وواضح وسهل القراءة من بعد، وإشارة هادئة تروي قصة، أو تظهر خامة معينة أو تفصيلاً بسيطاً يعرفه أهل الخبرة فقط.

وقد أوضحت الدراسة أن بعض المستهلكين ذوي المكانة المرتفعة يفضلون النسخ ذات الشعارات الأقل بروزاً، ويدفعون مقابلها أموالاً أكثر، لكن الهدوء لا يعني التواضع، إنما هو بحث عن تميز أكثر دقة، حيث الإشارة المشفرة يمكن التقاطها بطريقة أكثر دقة، وهذا يفسر لماذا الأغنياء المستقرون، أو الذين ولدوا بملعقة ذهب في أفواههم، لا يحبذون الصراخ البصري الموجه للجمهور العام، ويفضلون الهدوء الموجه للدائرة الضيقة.

في حين يقوم الأثرياء الجدد عادةً بإظهار ما يمكن من ثرواتهم بما يشبه الإعلان المفرقع للانضمام إلى نادي الأثرياء، لكنهم في الواقع يواجهون غالباً بازدراء الأثرياء القدامى.

لا بد من التساؤل هنا كيف نشأت العلامات التجارية الباهظة، وكيف ارتفعت أسعارها واختارت زبائنها.

لقد كانت الفكرة بسيطة جداً، لكنها عبقرية في توقيتها، حيث قامت على تحويل الحرفة إلى رمز والمنتج إلى هوية.

ففي القرن الـ19 ومع الثورة الصناعية في أوروبا، بدأ الإنتاج يتحول من الورش الصغيرة إلى المصانع، ومع اتساع الأسواق وظهور طبقات برجوازية جديدة تبحث عن التميز، لم يعد كافياً أن يكون المنتج جيداً وحسب، وأصبح يتطلب توقيعاً يظهر تميزه، فظهرت أسماء الصانعين، ثم البيوت التي تحمل توقيعاً.

مثل خياط في باريس يبيع الثوب كأنه يبيع ذوقاً فرنسياً كاملاً، وكذلك صانع جلود في فلورنسا حين يبيع حقيبة، فهو يبيع إرثاً عائلياً وسمعة حرفية.

ويعد المصمم البريطاني تشارلز فريدريك وورث في منتصف القرن الـ19 من أوائل من رسخوا مفهوم دار الأزياء عندما بدأ يضع اسمه على القطع التي يصممها في باريس، محولاً بذلك الثوب من سلعة إلى توقيع.

ولم يعد الاسم مجرد تعريف بالصانع، لقد أصبح قيمة مضافة لأي زبون يقتنيه.

ومع بدايات القرن الـ20، صعدت بيوت مثل Louis Vuitton وHermès التي بدأت كورش حرفية متخصصة لصنع حقائب سفر وسروج خيل، ثم تحولت إلى رموز فخامة، وما جعل هذا التغير يسلك طريقه نحو الفخامة هو الندرة والجودة المتقنة والسيطرة المحكمة على الإنتاج، إضافة لعنصر مهم سيكرس العلامات التجارية وهو بناء سردية طويلة عن الحرفية والتراث.

لكن بعد الحرب العالمية الثانية، ومع ازدهار الاقتصاد الاستهلاكي، دخلت الفخامة مرحلة جديدة، إذ لم تعد حكراً على الأرستقراطية، وأصبحت حلم الطبقة الوسطى الصاعدة.

وفي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ومع العولمة وظهور المجموعات العملاقة، تحولت العلامة الفاخرة إلى صناعة عالمية قائمة على التسويق بقدر ما تقوم على الحرفة، هنا بدأ الشعار يكبر، وبدأت الفخامة تتوسع أفقياً هذه المرة وأضيف إليها العطور والنظارات والأكسسوارات والخطوط الجاهزة.

ثم مع صعود ثقافة المشاهير في التسعينيات والألفية الجديدة، أصبحت العلامة الباهظة الثمن مرتبطة بصورة نجم أو مؤثر، ولم تعد مجرد منتج جيد ذي سمعة وجودة، وأصبحت أسلوب حياة مصور.

فمن ورشة صغيرة تخيط الجلد بإتقان، إلى إمبراطورية تُدار بمليارات الدولارات، تطورت العلامات الباهظة الثمن عبر ثلاث ركائز أساسية، أولها الحرفة والندرة في البداية، لتأتي السردية والتراث في مرحلة البناء، والتسويق والرمزية في العصر الحديث، وما جعل هذه العلامات باهظة ليس القماش فحسب، إنما القدرة على تحويل المنتج إلى رمز اجتماعي مستقر عبر الزمن.

لقد نجحت في بيع السلعة، وباعت المعنى الذي لا يقاس بالكلفة، إنما بالقدرة على الإقناع.

يقوم البعض بشراء القطع التي تحمل ماركات معينة للاستخدام أولاً، ولكن بهدف الاستثمار أيضاً، ولكن ليس كل ما يحمل علامة تجارية باهظة هو استثمار أو يحتفظ بقيمته.

فالأمر يختلف كلياً حسب القطع، فالملابس تتآكل قيمتها بسرعة بسبب المواسم والمقاسات وتقلبات الاتجاهات والموضة، ويحافظ بعض الموديلات المحددة من الحقائب والأكسسوارات على قيمة أعلى، بخاصة إن كانت ندرتها حقيقية، وتعتبر الساعات والمجوهرات الأكثر قيمة وبمعايير أوضح.

وفي أحد تقارير Clair Report الصادرة من منصات إعادة البيع يوضح أن الاحتفاظ بالقيمة يتفاوت حسب العلامة والموديل والحالة.

تقول ليا (20 سنة) إنها تختار ما تريد ارتداءه لأنه يعبر عن شخصيتها، وعلى رغم أنها تفضل أن ترتدي ثياباً من دون أي كتابة عليها، إلا أنها قد تختار أحياناً كلمة معينة أو شعاراً تحبه أو مقطعاً من أغنية أو مقولة مكتوبة أو رسمة على الكنزات و" الهوديز" (سترات بغطاء الرأس)، لكنها ترفض تماماً لبس اسم الماركة الشهيرة بصورة كبيرة، ولا تجد فيه أي قيمة إضافية وتقول" ما معنى أن تلفني كلمة شانيل مثلاً وهي لا معنى لها سوى أنها غالية الثمن، بحال لم تكن تقليداً للأصلي.

وإن كان لا بد من ارتداء قطعة مكتوب عليها، أختار كلمة أو جملة تعني لي وتعبر عني".

وفي معرض الحديث عن حجم شعار العلامة التجارية، تقول سارة إنها غير مستعدة أبداً لدفع المال لارتداء ماركة معينة بغض النظر عن سعرها، وتضيف" لست لوحة إعلانية متنقلة لأي ماركة، يستطيعون وضع شعاراتهم على اللوحات الإعلانية ووسائل الإعلام والاتصال، وربما على الشاحنات ووسائل النقل، وهم يدفعون لوضع إعلاناتهم أينما أرادوا، وأنا شخصياً لن أعمل لديهم مجاناً، أرتدي شعارهم وأجوب الأمكنة، ربما عليهم أن يدفعوا لي كما يدفعون للمؤثرين والفنانين أو حتى الإعلانات".

من جهتها تقول زميلتها جنيفر إنها تلجأ إلى طباعة ما تريد على قمصانها، وإنها في إحدى المرات نسخت الوشم الموجود على رقبتها على قميص، ومرة طبعت صورة فيروز، ومرة جواز السفر اللبناني، ومرة أخرى كلمة" حبيبي".

تعتبر جنيفر أنها إذا أهديت قطعة ثمينة عليها علامة تجارية لا تمانع من ارتدائها بشرط أن تكون العلامة صغيرة الحجم، لكنها تفضل شخصياً شراء عدد أكبر من الملابس بثمن واحدة ستضجر منها لاحقاً.

ويقول ريان إنه قد يقتني قطعة معينة من علامة تجارية باهظة إذا كانت حقيبة مثلاً أو ساعة، ويعتبر أن ثمن الثياب التي تحمل ماركات عالمية غالية مبالغ في تقدير ثمنها.

ويضيف ريان، وهو طالب تسويق، " أفهم أنهم يبيعون الاسم، ولكن دائماً أسأل نفسي لماذا على الناس شراؤه.

أظن أن من يشتريه لا يبحث عن ثياب تريحه، إنما على صورة يتباهى بها.

في الحقيقة أعرف أشخاصاً مستعدين لبيع قطعة أرض إن لم أقل كليته لشراء حقيبة أو حذاء، وبرأيي الشخصي أجد الأمر هوساً غير مفهوم، وسطحية مفرطة، وربما قلة ثقة بالنفس بحيث تملأ فراغها بمظاهر الثراء كتعويض ربما عن نقص ما، ولكن بحال الشراء من دون أن يتأثر الشخص مادياً، بمعنى أنه ليس مضطراً أن يدخر لشراء قطعة ما، ربما يكون الأمر مقبولاً وعادياً، ولا أظن أنه يمكن دخول نادي الأغنياء فقط لمجرد اقتناء حقيبة (لوي فيتون) على سبيل المثال".

تخبر ماريانا أنها ادخرت كثيراً من المال واشترت واحدة من حقائب" هيرميس" الصغيرة جداً بنحو 5000 دولار، وفرحت بها كثيراً، على رغم أنها لا تتسع لأغراضها.

وبعدها بدأت تشتري باقي الحقائب المقلدة باب أول بنحو 300 دولار، وكان من حولها يظنون أنها أصلية وينظرون إليها بإعجاب.

وقالت إن هذه الماركات زادت من ثقتها بنفسها، وشعرت وكأنها أدمنت الموضوع، وعلى رغم أن لديها أصدقاء يعدون الأمر إسرافاً ويفضلون شراء حقائبهم وأحذيتهم من دون أدنى اهتمام بعلامتها التجارية، فإن ماريانا تشعر أنها تأخذ مكانتها من خلال ما ترتديه" أفكر أحياناً أن اهتمامي بالماركات مبالغ فيه، لكنني أجد نفسي دائماً أدخر المال لشرائها، وتشغل بالي طوال الوقت، حتى إن بعض أصدقائي يعدون الأمر مرضياً".

تظهر هذه الآراء ودراسات عديدة أن" جيل زد" يحاول أن يتحرر من عبء الاستغلال الإعلاني المقنع، بمعنى أن يدفع ثمن القطعة ثم يدفع مرة ثانية من رصيده الرمزي كي يتحول إلى مساحة إعلان تمشي على قدمين.

المسألة هنا ليست ذوقاً بقدر ما هي فكرة من يستفيد من الشعار؟ ومن يدفع؟ ومن يحمل وظيفة الترويج من دون عقد ولا بدل مادي؟تشير نتائج بحث نشرته جامعة University of Missouri–Columbia في 2015 بعنوان Many would rather buy generic clothes than stand out with designer brands إلى أن الأفراد الأكثر حساسية للكيفية التي يراهم بها الآخرون يميلون إلى تجنب الملابس ذات الشعارات الكبيرة حتى لو كانت من علامات مرموقة، لتفادي الحكم الاجتماعي أو التصنيف السريع.

فالشعار الضخم قد لا يمنح قوة، وقد يعرض صاحبه لتأويلات طبقية واستعراضية، أو حتى ساذجة.

في هذه القراءة، يصبح تجنب" اللوغو" قراراً دفاعياً واعياً، وليس رفضاً أعمى وكلي للعلامة.

ويظهر التحول الأعمق في الأدبيات الأكاديمية حول الرفاهية الهادئة.

ففي مقال بحثي بمجلة Psychology & Marketing عام 2025 بعنوان What, no logos؟ Why some minimalists prefer quiet luxury، يناقش الباحثون ظاهرة تفضيل منتجات عالية الجودة بتصميم خفي، إذ تقرأ القيمة في التفاصيل وليس في الشعار، وكأن العلامة تخفض صوتها، ويصبح الانتماء شيفرة يفهمها من يعرف، وليس لافتة تعلن نفسها من بعيد، وهذه ليست نزعة ضد الرفاهية بقدر ما هي إعادة تعريف لطريقة عرضها.

مع الوقت خرج الشعار من زاوية القماش وتضخم حتى ابتلع التصميم كله، وكأنه الموضوع كله ولم يعد مجرد توقيع صغير يدل على الصانع.

هذه هي" اللوغومانيا" Logomania أو الهوس بإظهار اسم العلامة بحجم صارخ ومكرر ولا يمكن تجاهله، حتى يصبح القميص خلفية للاسم، والحقيبة إطاراً للشعار، والقطعة بأكملها منصة عرض.

والمفارقة هنا اقتصادية وأخلاقية إضافة إلى كونها جمالية.

وفي هذا النموذج يدفع المستهلك المال أولاً، ثم يخرج ليؤدي وظيفة إعلان متحرك.

يدفع ليحمل الشعار، ثم يحمل الشعار ليعلن عنه.

وبينما تدفع الشركات بسخاء لمن تختارهم سفراء رسميين ومؤثرين ليرتدوا منتجاتها وفق عقود واضحة ومقابل محدد، يبقى بقية المستهلكين خارج هذه المعادلة.

وهنا يطل سؤال" جيل زد" الساخر بإلحاح، إذا كنت أرتدي شعارك الضخم وأتحرك به في الشوارع، أليس الأجدر أن تدفع لي؟تكشف الفكرة علاقة غير متوازنة في جوهرها، إذ تستفيد العلامة من الانتشار المجاني في الحياة اليومية، فيما يتحمل الفرد الكلفة المادية والاجتماعية معاً.

فالشعار لا يمر بصمت، إنه يقوم بمهمة إرسال رسالة.

وفي بعض السياقات، هذه الرسالة قد لا تعمل لمصلحة صاحبها.

وتشير دراسة صادرة من University of Toronto – Rotman School of Management حول آثار الاستهلاك الاستعراضي، إلى أن الإشارات الصارخة للرفاه قد تؤثر سلباً في كيفية تقييم الآخرين للشخص، خصوصاً في بيئات تتطلب التعاون والثقة، أي إن الشعار قد يجذب الانتباه، لكنه لا يضمن الاحترام، بل قد يفهم أحياناً كإشارة إلى التنافسية أو الرغبة في التفوق الرمزي.

وهكذا تتحول" اللوغومانيا" من نزوة تصميمية إلى خطاب اجتماعي بصري، وإعلان من العلامة بأنها تريد أن ترى، وإعلان من مرتديها بأنه مستعد لأن يكون جزءاً من هذا العرض، لكن في زمن يزداد فيه الوعي بالإعلانات، وتتعاظم الحساسية تجاه الاستعراض الفج، بدأت هذه المعادلة تهتز، ولم يعد الانتباه قيمة كافية، ولا الظهور ضماناً للمكانة.

لا تقتصر هذه الظاهرة على الشباب أو" المينيماليست" (أنصار البساطة).

ففي تقرير لـ" رويترز" عام 2024 كتبته Mimosa Spencer وElisa Anzolin، نقلت مؤشرات إلى توجه بعض المستهلكين الميسورين في الصين نحو منتجات أقل صخباً وأقل ضوضاء، في سياق ما وصف بـluxury shame، أي الحرج من الاستعراض في بيئة اقتصادية اجتماعية حساسة.

وتناولت Vogue Business عام 2024 في مقال بعنوان How luxury shame will shape sales in China for the rest of 2024 الأثر السلوكي لهذه الظاهرة على اختيارات العلامات وتصاميمها، لتظهر أن حتى من يستطيع شراء الشعار، قد يختار ألا يظهره.

ويتغذى هذا الميل من مناخ عام يتسم بالشك تجاه الإعلان الصريح.

وفي دراسة منشورة عام 2021 بعنوان Building influencers' credibility on Instagram: Effects on followers’ attitudes and behavioral responses toward the influencer، تبين أن إدراك الجمهور لوجود ترويج مدفوع يؤثر سلباً في الصدقية، بينما يقل هذا الأثر عندما يبدو الارتباط بالمنتج طبيعياً وغير فاقع.

وأظهرت Nielsen في بيان عام 2023 بعنوان Nielsen Study Reveals Majority of Consumers Actively Avoid Ads… أن نسبة كبيرة من المستهلكين يتخذون إجراءات فعالة لتجنب الإعلانات عبر المنصات المختلفة.

في تقرير Edelman عام 2024 بعنوان Winning with Gen Z: Embracing Intention and Values for Brand Success، تؤكد الشركة أن كسب ثقة" جيل زد" يتطلب من العلامات احترام مساحة الإذن والعمل ضمن قيم واضحة، وليس الاكتفاء بالانتشار، حيث الهوية الشخصية لم تعد منصة متاحة من دون شروط، إنما مساحة تفاوض، ولكن من المهم الإشارة إلى أن تجنب" اللوغو" الكبير لا يعني موت العلامة بالضرورة، إنه إجراء عصري على العلامات التجارية فهمه، وهو تحول في علاقتها بالجمهور، وانتقال من الاستعراض إلى ما يشبه الانتماء الضمني، فيتحول من شعار يصرخ في الشارع، إلى قيمة تقرأ بين السطور.

في هذا السياق، يبدو الشعار الضخم أقل جاذبية لأنه لا يطلب إذناً من حامليه، والجيل الجديد المشبع بالإعلانات والبيانات يميل إلى مساءلة أي علاقة لا تبدو عادلة أو ذات معنى، لذا فإنه يرفض أن يكون جسده مسرحاً إعلانياً متنقلاً.

لماذا يبدو أن" جيل زد" أقل انبهاراً بـ" اللوغو" الكبير؟ وماذا وراء هذا القرار شبه الإجماعي؟الواقع أن" جيل زد" تشكل وعيه بعد الأزمة المالية عام 2008، وفي ظل تضخم عالمي وارتفاع أسعار السكن.

ويشير تقرير The State of Fashion الصادر من McKinsey & Company إلى حساسية أعلى للسعر لدى الأجيال الأصغر، وحيث الرغبة في القيمة تتقدم على الرغبة في الاسم، كما يعيش هذا الجيل في اقتصاد المقارنة، ويستطيع خلال دقائق مقارنة الخامات وقراءة المراجعات ومشاهدة تفكيك المنتج على وسائل التواصل.

وتشير أبحاث منشورة في Journal of Consumer Research حول" الاستهلاك غير الصارخ" إلى أن بعض المستهلكين يفضلون التفرد والخصوصية على الإظهار المباشر للثروة، إضافة إلى أن تقاريرGlobal Sustainability Study في عامي 2021-2023 أظهرت أن نسبة كبيرة من" جيل زد" مستعدون لتغيير سلوكهم الشرائي بدافع الاستدامة، والشعار الكبير قد يقرأ اليوم كرمز لإفراط لا ينسجم مع خطاب الاستدامة، وتأتي ثقافة البدائل لتزيد من إصرار الجيل للاستغناء عن الماركات الباهظة، حيث تزخر أسواق الصين بمنتجات تؤدي الوظيفة الجمالية بسعر أقل.

لذا يرفض" جيل زد" أن يدفع مقابل قطعة حملتها شركتها كلف كثيرة، من القماش وخامته، إلى الأبحاث والتطوير والحرفية والإعلانات وإيجارات المتاجر في أغلى الأماكن والشوارع الفاخرة، فحين يستطيع المستهلك شراء 20 قطعة بجودة جيدة مقابل قطعة واحدة تحمل شعاراً، يتساءل إن كان يدفع مقابل جودة فعلية أم مقابل قصة فقط!

حين بدأ الجيل الجديد يضيق ذرعاً بالشعارات الضخمة لأنها تحول الجسد إلى مساحة إعلان، لم تتعامل الماركات العالمية مع الأمر كأزمة ذوق، وفهمت الأمر كتحول في معنى الفخامة نفسه، فبدلاً من الإصرار على" اللوغو" كصرخة مكانة، اتجهت بيوت كثيرة إلى تهدئة العلامة، وتكثيف الحرفية، وإعادة بناء الرموز بطريقة أقل ابتذالاً.

وأوضح مثال على الهرب من" اللوغو" كان لدى Bottega Venetaالتي بنت جزءاً كبيراً من هويتها على فكرة أن الزبون ليس في حاجة إلى شعار كي يثبت نفسه، وعاد الشعار التاريخي للدار When your own initials are enough، أي" حين تكون أحرفك الأولى كافية" للواجهة في حملات حديثة، كتصريح فلسفي ضد" اللوغومانيا".

وبالمنطق نفسه، صعدت ماركات صارت تقدم نفسها باعتبارها logo-less أو شبه بلا شعار، مثل The Row التي توصف في تغطيات الموضة بأنها علامة بلا شعارات صاخبة وتراهن على القصة الهادئة التي تحوي خامة وانضباطاً بصرياً يجعل القطعة ترى من دون أن تعرف عن نفسها بحروف كبيرة وشعارات ضخمة.

وكذلك Loro Piana التي رسخت سمعتها كـstealth wealth أو الثروة الخفية عبر تصميم شبه خالٍ من" اللوغو" مع تركيز على القماش النادر والملمس، حتى إنFinancial Times تصفها صراحة ضمن سردية الرفاهية المتخفية الهادئة.

في المقابل، هناك بيوت لم تلغِ الشعار، لكنها غيرت طريقته.

فبدلاً من طباعته بحجم لافت، أعادت بناء الهوية عبر علامات أهدأ وأكثر تاريخية.

وBurberryمثال واضح، فالشركة أعلنت عام 2023 إحياء وتطوير رمز الفارس Equestrian Knight Design – EKD وإبراز جذوره التاريخية ضمن تعبير بصري جديد، أي نقل الهوية من" لوغو" صاخب إلى رمز تراثي يمكن استخدامه بذكاء ومرونة.

وعلى خط متقارب، اتجهت علامات إلى تبسيط الشعار نفسه كجزء من موجة التبسيط في الفخامة، فأعلنت Balenciaga عام 2017 تغييراً إلى" لوغو" أكثر حداثة وبساطة مستوحى من طابع الخطوط العامة والحيادية، في خطوة تقرأ ضمن تقليل الزخرفة لمصلحة حضور بصري أكثر هدوءاً وقابلية للتطبيق عبر الوسائط.

وبدورها أعادت Celine إطلاق هويتها عام 2018 بتعديل واضح، حيث اعتمدت معالجة طباعية أبسط، بما يعكس هذا الاتجاه نحو تخفيف الضجيج البصري حتى داخل أسماء الرفاهية.

وهكذا، فإن عدداً من الماركات لم تعد تبيع الشعار كغاية بحد ذاتها، وصارت تبيعه كخيار ثانوي، تضعه أحياناً بصورة ton-sur-ton أو لون القماش نفسه، أو تخفيه في البطانة، أو تستعيض عنه برمز لا يلتقطه إلا من يعرف الحرفة والقصة.

وعندما قال الجيل الجديد: خففوا الشعار، ردت العلامات بتصغيره، وأحياناً بتغيير المعادلة، من هوية ترى لأن اسمها كبير إلى هوية تحترم لأن قيمتها محسوسة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك