إيران كما لم تروها من قبل: مجتمع يحتج ولا ينقلب على دولته.
عندما أتيت للعيش والعمل في إيران في مطلع عام 2014، صدمت بخمسة أشياء، وهي: أن الشعب بأكمله ينتقد النظام والأداء الحكومي، وعدم استقرار العملة الإيرانية، والانفتاح الكبير في المجتمع، وقوة المرأة الإيرانية والسلطة الواسعة التي تمتلكها في المجتمع والمنزل، إضافة إلى جمال الطبيعة والتاريخ والحضارة في إيران.
عندما أتيت إلى إيران كنت أتوقعها دولة منغلقة، ينتشر فيها الأمن في كل مكان، ولا يستطيع أحد انتقاد السلطة، لكن ما شهدته كان عكس ذلك تماما.
فأنا شخص سوري، وأقصى ما أعرفه عن نقد الدولة هو القول: «المسؤول ما دون معاون الوزير فاسد، لكن النظام صالح، وهناك حملة كبيرة للإصلاح والتطوير ومحاربة الفساد، والرئيس جيد، لكن من حوله سيئون».
أما ما شاهدته في إيران فكان مختلفا تماما؛ إذ إن سقف الانتقاد مرتفع جدا، بدءا من سائق التاكسي وصولا إلى المدراء والصحفيين.
فالجميع يشتكي وينتقد الفساد والوضع الاجتماعي، وينتقد المسؤولين سواء كانوا من التيار الإصلاحي أو الأصولي، ويكون الانتقاد علنيا.
في تظاهرات عام 2022، شعر الأهالي هذه المرة بأن الوضع قد ينفلت، وأن أطرافا خارجية قد تستغل هذه الحالة، فكانوا هم من أعادوا الشباب إلى المنازل، والحكومة من جانبها تغاضت عن الكثير من الأمور التي كانت من الخطوط الحمراء فيها.
في البداية كنت أعتقد أن من يقوم بالانتقاد هم من أجهزة المخابرات، ويهدفون إلى كتابة تقارير عن الآخرين، كما هو الحال في سوريا ومعظم الدول العربية، لكن الحقيقة كانت أن نقد السلطة أمر طبيعي في المجتمع الإيراني، ويكون نابعا إما من حاجة مادية حقيقية أو من غيرة وطنية.
الغيرة الوطنية في إيران أمر شائع جدا في البلاد، وغالبا ما تتجلى في قول المواطن: «لماذا الدولة الفلانية أفضل منا ونحن إيران؟ ».
هذه الجملة يسمعها المغترب في إيران كثيرا، حيث يبدأ المتحدث بسرد تاريخ بلاده السياسي والاقتصادي والعسكري، ويتحدث عن أهميتها في المنطقة والعالم، وما تمتلكه من ثروات وخبرات أكاديمية وإرث تاريخي وحضاري يؤهلها لأن تكون دولة مركز وصنع قرار، لا مجرد دولة تتلقى الصدمات.
خلال حياتي هنا، شهدت تظاهرات البنزين عام 2019، والتظاهرات التي أعقبت وفاة مهسا أميني عام 2022، والحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة عام 2025.
واللافت في جميع هذه الأحداث هو حضور العقل الجمعي لدى المواطن الإيراني، وهو عقل قدم مصلحة الوطن على المصالح الشخصية.
فعلى سبيل المثال، في تظاهرات عام 2019، عندما شعر المواطنون أن الوضع قد يخرج عن السيطرة في الشارع، خصوصا مع اندفاع بعض الشباب بشكل مبالغ فيه، وأن الأمور قد تنزلق نحو التخريب بدلا من المطالبة بالإصلاح، عاد الشباب إلى منازلهم.
وفي المقابل، سارعت الحكومة آنذاك إلى تنفيذ حزمة الإصلاحات التي كانت مقررة، ونفذتها بصورة مباشرة للمساهمة في تهدئة الأوضاع، وذلك بعكس ما يحدث في معظم دولنا العربية، حيث ينسى الزعيم وعوده بمجرد عودة الناس إلى منازلهم وهدوء الشارع.
وفي تظاهرات عام 2022، شعر الأهالي هذه المرة بأن الوضع قد ينفلت، وأن أطرافا خارجية قد تستغل هذه الحالة، فكانوا هم من أعادوا الشباب إلى المنازل، والحكومة من جانبها تغاضت عن الكثير من الأمور التي كانت من الخطوط الحمراء فيها.
أما في حرب عام 2025، فقد طلبت إسرائيل من الشارع الإيراني التحرك ضد نظامه خلال الحرب، لكن الشارع الإيراني، حتى المعارض منه للنظام، قابل هذه الدعوات بإغلاق التلفاز والهواتف المحمولة في وجهها، ووجد كثيرون في الحرب فرصة لأخذ إجازة والسفر داخل البلاد.
كان الهدف يتمثل في توجيه ضربات عسكرية محدودة لإيران، يتبعها إحداث بلبلة أمنية داخلية، بحيث تكون هذه المجموعات قادرة على التواصل والسيطرة حتى في حال قطعت طهران خدمة الإنترنت، من خلال امتلاكها أجهزة اتصال بديلة.
التظاهرات الأخيرة التي خرجت في نهاية عام 2025 وانتهت في أوائل شهر كانون الثاني/يناير 2026، كنت أنا واحدا من الذين استغربوا تأخرها.
وقد عبرت عن ذلك في مقابلة تلفزيونية في الأيام الأولى من العام، حيث قلت حرفيا: «أنا مستغرب لماذا تأخرت هذه التظاهرات حتى الآن، وكان من المفترض أن تخرج في وقت سابق بسبب الأوضاع الاقتصادية».
فالوضع في البلاد كان متعبا جدا، سواء بسبب الحصار أو السياسات الاقتصادية الحكومية، وهي أمور لا يمكن لأحد تجاهلها.
ويمكن النظر إلى هذه التظاهرات على أنها بمثابة جهاز إنذار دق في ثلاث مناطق، وهي: طهران، وواشنطن، وتل أبيب.
ففي طهران، جرى التحرك سريعا لتدارك الوضع الاقتصادي، حيث اجتمع الرئيس مسعود بزشكيان مع التجار والمسؤولين بهدف ضبط السوق.
أما في الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد وجدتا فيما حدث فرصة لمحاولة تمرير خطتهما ضد إيران.
وكانت هذه الخطة تقوم على توجيه ضربة سريعة لإيران، شبيهة بحرب الأيام الاثني عشر، بالتوازي مع تحركات لعناصر على الأرض للسيطرة على مراكز حكومية.
ومنذ نهاية الحرب، جرى إدخال عدد كبير من أجهزة «ستارلينك» الأميركية إلى إيران عبر التهريب، كما تم استدعاء قادة العملاء إلى الخارج، حيث جرى تدريبهم على إثارة الفوضى واحتلال المدن وإدارة الاتصالات والسيطرة الميدانية.
وكان الهدف يتمثل في توجيه ضربات عسكرية محدودة لإيران، يتبعها إحداث بلبلة أمنية داخلية، بحيث تكون هذه المجموعات قادرة على التواصل والسيطرة حتى في حال قطعت طهران خدمة الإنترنت، من خلال امتلاكها أجهزة اتصال بديلة.
كان خيار توجيه ضربة عسكرية لإيران مكلفا جدا لإسرائيل بالاشتراك مع الولايات المتحدة، ولا سيما في حال فشل العناصر الموجودة على الأرض في السيطرة على الوضعين الأمني والعسكري، وكذلك المشهد السياسي.
وجاءت الاحتجاجات الأخيرة لتشكل فرصة للتدخل، وهو ما جرى فعليا، حيث تم تحديد ساعة الصفر يوم الخميس الموافق 8/1/2026.
وبالفعل، أقدمت طهران في ذلك اليوم على قطع خدمة الإنترنت بشكل كامل مع الاتصالات الداخلية والخارجية، بهدف قطع قنوات التواصل بين قادة التحركات على الأرض.
وما لم يكن متوقعا هو أن إيران كانت قد استوردت، منذ منتصف شهر تموز/يوليو 2025، معدات عسكرية وأمنية وسيبرانية من روسيا والصين، كما هبطت في طهران آخر شحنة من هذه المعدات قبل أسبوع واحد فقط من اندلاع الاحتجاجات.
وفي يوم الخميس، فعلت طهران هذه الأدوات، ونجحت في التشويش بشكل واسع على أجهزة «ستارلينك»، وطبقت ما يمكن وصفه بـ«القبة السيبرانية».
ونتيجة لذلك، لم تتمكن أقمار إيلون ماسك ودونالد ترامب من إيصال البث إلى الأراضي الإيرانية، بل تحول نظام «ستارلينك» من وسيلة اتصال إلى أداة تعقب، حيث تمكنت طهران من رصد وضبط جميع الأجهزة ومن يقوم بتشغيلها.
في إيران، النقد ليس خيانة، والاحتجاج ليس مقدمة للفوضى، بل هو وسيلة ضغط داخل بيت واحد، يغلق بابه عند أول محاولة اقتحام من الخارج.
هذه المعادلة البسيطة يغفل عنها كثيرون عند قراءة المشهد الإيراني.
وفي المقابل، فشلت واشنطن في تشغيل الأجهزة التي زرعها عملاؤها، لتصبح الولايات المتحدة عمليا «عمياء» في الجو وعلى الأرض.
وخلال أربعة عشر يوما، أخفقت محاولات ضرب إيران، وكان سبب هذا الإخفاق الفشل في السيطرة على المجال الجوي والفضاء السيبراني.
لا يزال خيار توجيه ضربة لإيران مطروحا على الطاولة الأميركية، إلا أن كلفة هذه الضربة باتت أكبر من أن تتحملها الولايات المتحدة وإسرائيل في الوقت الراهن.
فالصواريخ التي استهدفت المقرات العسكرية الإسرائيلية تحت الأرض، وحتى تلك الواقعة بين المناطق المدنية، ليست عاجزة عن ضرب القطع العسكرية الأميركية المكشوفة.
أما التظاهرات في إيران، فهي جزء من طبيعة هذا المجتمع، وستبقى ترافقه.
إنه شارع حي، قد يختلف الإيرانيون فيه مع حكومتهم، وقد يرفعون صوتهم عاليا في وجه الفساد وسوء الإدارة، لكنهم يجتمعون عند لحظة واحدة: حين يشعرون أن بلدهم مستهدف.
في إيران، النقد ليس خيانة، والاحتجاج ليس مقدمة للفوضى، بل هو وسيلة ضغط داخل بيت واحد، يغلق بابه عند أول محاولة اقتحام من الخارج.
هذه المعادلة البسيطة يغفل عنها كثيرون عند قراءة المشهد الإيراني.
الأزمة الاقتصادية في إيران حقيقية، والغضب الشعبي مفهوم، وأخطاء السياسات الحكومية لا يمكن إنكارها أو تجاوزها.
لكن في المقابل، أثبت المجتمع الإيراني أنه يمتلك وعيا سياسيا يمنعه من الانزلاق نحو الفوضى أو التحول إلى أداة في صراعات إقليمية ودولية.
فالتظاهرات هنا ليست إعلان انهيار، بل جرس إنذار متكرر، يعلو صوته حين يشتد الضغط، ويخفت حين يصبح الخطر أكبر من الخلاف.
وإيران اليوم تقف عند تقاطع دائم بين الاحتجاج والاستقرار، بين النقد والولاء.
هذا التوازن الهش هو ما يجعل الشارع الإيراني عصيا على الاستغلال الخارجي، وسريع الاشتعال داخليا في آن واحد.
ومن لا يفهم هذه الازدواجية سيبقى عاجزا عن قراءة التظاهرات في إيران، وسيكرر الخطأ نفسه: الخلط بين مجتمع ناقد ودولة على وشك السقوط.
فهذه دولة قوية بشعبها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك