بدأ منذ فترة بسيطة اتجاه جديد في سوق الدراما، هو إنتاج مسلسلات يتراوح زمن الحلقة الواحدة منها بين دقيقة واحدة وثلاث دقائق، هذا الاتجاه رغم كونه جديدًا على السوق المصري، إلا أنه بدأ منذ فترة طويلة في الخارج، ويعتمد على التصوير بشكل عمودي ليناسب العرض على شاشات الهواتف.
لأن هذا النوع من الدراما يستهدف في الأصل الجمهور الذي يشاهد الريلز ومقاطع الفيديو القصيرة على الهاتف، مما يجعل من المؤكد تحقيق هذا النوع من المسلسلات ملايين المشاهدات في فترات قصيرة ودون تحمل تكلفة باهظة للدعاية والترويج للمسلسل مثلما يحدث في سوق الدراما التقليدية.
وحتى وقت قريب كان الحديث عن هذا النوع (المايكرو دراما)، يدور في معظمه حول دراسة توقعات نجاحه أو فشله في العالم العربي، إلى أن دخل الموضوع مرحلة جديدة عندما تم الإعلان عن تأسيس أول منصة عربية لتكون متخصصة في هذا النوع منذ شهور.
وفي مصر تحمس اثنان من أبرز رجال تلك الصناعة للبدء بأول خطوة فعلية في هذا المجال هما المنتج والمخرج عمرو قورة والمنتج هشام سليمان، حيث أعلنا عن تعاونهما معًا لإنتاج مائة مسلسل من هذا النوع خلال عام 2026، وتم بالفعل تصوير مشروعهما الأول باسم غرفة التحقيق، الذي انتهى العمل به وسوف يعرض قريبًا.
ولأن سوق الدراما متعطش دائمًا لكل ما هو جديد، بدأت في الظهور منصات متخصصة في بث مسلسلات المايكرو دراما كتطبيقات يتم تنزيلها على الهاتف، ومشاهدة أعمالها باشتراك شهري أو يومي بسيط، بشكل يبدو وكأنه محاولة أخيرة للهروب من المسلسلات الطويلة المليئة بالحشو والمط لا لهدف سوى إطالة زمن الحلقة ليصل إلى ثلاثين أو أربعين دقيقة دون وجود أحداث حقيقية تحتمل مثل هذا الزمن دون أن يشعر المشاهد بالملل.
شاهدت من هذا النوع عملين دراميين هما مسلسل تاتو ومسلسل التمثيلية، وقد بدأت المشاهدة وفي داخلي مخاوف من أن يكون المسلسل مجرد اسكتشات تشبه فيديوهات السوشيال ميديا، لكنني وجدت في كليهما، عملًا دراميًا مختلفًا، خاليًا من الثرثرة والرتابة، يجبرك على حبس أنفاسك بسبب التصاعد السريع في الأحداث، ونهايات الحلقات المشوقة التي تجعلك رغمًا عنك مصرًا على الاستمرار في المشاهدة لدرجة أنك قد تنتهي من المسلسل ذي الثلاثين حلقة في ساعة واحدة!
ولأن أي اتجاه جديد لا بد أن يواجه بعض العثرات في بدايته، لاحظت أن كلا المسلسلين، رغم الكتابة الجيدة، والإخراج والمونتاج الاحترافي، يعاني من فقر في الإنتاج، بدا ذلك واضحًا في الإصرار على شيئين:
أولهما التصوير الداخلي لكل مشاهد المسلسل، مما يشعر المشاهد بأنه محبوس في لوكيشن واحد أو اثنين على الأكثر، والثاني هو أن جميع الممثلين في العملين هم من نجوم الصف الثاني والثالث في الوسط الفني، لا أعرف أكان هذا بسبب عدم اقتناع كبار النجوم بهذا الاتجاه الجديد الذي يخطو خطواته الأولى، أم أن السبب هو الميزانية المتواضعة التي لا تتحمل أجور نجوم الصف الأول!
رغم هذه العيوب إلا أنني أتوقع خلال فترة قصيرة أن ينتشر هذا الاتجاه وتعتاد الناس عليه وتحبه، وأتمنى أن يحدث ذلك في وقت قريب، لأن هذا النوع من الدراما سوف يعيد القيمة والاعتبار لكاتب السيناريو باعتباره صاحب حجر الأساس لأي عمل فني، وكل العناصر الأخرى تأتي بعده وتكون مكملة لدوره وليس العكس.
سوف تجعل المايكرو دراما كاتب السيناريو أهم وأكثر قيمة من النجم الذي يفرض شروطه على كل فريق العمل في الدراما التقليدية، ذلك لأن هذا النوع من الدراما، يتطلب كتابة احترافية ورشيقة، لا تعرف الترهل والحشو.
ولا تترك الكاميرا مفتوحة للنجم يفعل أمامها ما يعن له، الأهم من ذلك أنها سوف تكشف حقيقة كُتّاب السبوبة، وتقصر العمل في هذا النوع على الموهوبين القادرين على الاحتفاظ بعقل المشاهد وقلبه فقط دون غيرهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك