بيان أول أمس عن إنشاء مكتب ارتباط بين السلطة الفلسطينية ومجلس السلام، عرض هذه الخطوة كخطوة تقنية، تقريباً إدارية، وكاستجابة لطلب المندوب السامي للمجلس نيكولاي ميلادينوف الذي بارك وأوضح بأنها “قناة رسمية للاتصال والتنسيق”.
أكدوا في رام الله أن هذا ليس اختراقاً سياسياً، بل مجرد ترتيب لعلاقات العمل.
ولكن من خلف الصياغة الجافة التي نشرها نائب رئيس م.
ت.
ف.
حسين الشيخ، تكمن قصة سياسية أعمق بكثير، وهي محاولة واضحة لإرضاء واشنطن بأي ثمن، ودليل على عمق الأزمة وتآكل مكانة السلطة الفلسطينية.
أشار الشيخ في الرسالة التي أرسلها إلى ميلادينوف إلى أن مكتب التنسيق سيترأسه رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى.
وكان الهدف من إبراز هذا المستوى الرفيع هو إظهار الجدية والتأكيد على أن السلطة الفلسطينية تعمل على أن تكون جزءاً من قطاع غزة، وأنه مستعدة للقيام بأي دور يطلب منها.
وأكد محيط الشيخ أن سياق إنشاء المكتب لا يقل أهمية عن مضمون الإعلان.
فقد تم إنشاء المكتب بعد مشاورات مع الولايات المتحدة، وفي ظل خطة ترامب المعروفة بمبادرة “العشرين نقطة” لإدارة قطاع غزة.
من يؤيدون هذه الخطوة يشرحون أن السلطة الفلسطينية تعرف حدود صلاحياتها بالضبط.
فبعد سنوات من الانقطاع والمواجهة مع الإدارة الأمريكية في واشنطن، يسود في السلطة الفلسطينية الآن شعور بضرورة بذل كل ما في استطاعتها – حرفياً كل شيء – لتجنب الظهور بمظهر من يعرقل المبادرة الأمريكية.
فالسلطة الفلسطينية لا ترغب في البقاء خارج دائرة صنع القرار بشأن مستقبل غزة.
بهذا المعنى، يعتبر إنشاء مكتب الاتصال بمثابة ضمانة سياسية، ودليل على الرغبة في التعاون، ورسالة واقعية ومحاولة لتجنب مواجهة أخرى مع واشنطن.
لكن في الساحة الداخلية الفلسطينية، بما في ذلك أوساط حركة فتح في الضفة وقطاع غزة، فهذه الخطوة ينظر إليها بشكل مختلف كلياً.
مصادر في “فتح” وحتى في أجهزة السلطة، يعتبرون إنشاء المكتب استخذاء، ليس براغماتية بل استسلام.
بالنسبة لهم، السلطة بالفعل تعطي مصادقتها على أنها لم تعد شريكة في رسم السياسة، بل تنضم كمنفذة لسياسة تم رسمها بدونها.
هي ليست شريكة على قدم المساواة، بل مقاول تنفيذ.
عندما يبارك الشيخ في رسالته الخطة الأمريكية ويتعهد بالتعاون، فإن هناك من يعتبرون أقواله تنازلاً صامتاً عن مطالب أساسية طالما حرصت م.
ت.
ف على تأكيدها في كل مناسبة منذ العام 1967، وأن المنظمة هي الممثل الشرعي للفلسطينيين، وأنها الجسم الذي وقع على اتفاقات دولية أيضاً أمام إسرائيل.
لا يقتصر الانتقاد على الأسلوب والصياغة فقط، بل يمس جوهر الأزمة: فقدان السيطرة.
عملياً، فقدت السلطة الفلسطينية وم.
ت.
ف السيطرة على قطاع غزة منذ زمن.
والآن، يقول من ينتقدونهم بأنهم يخاطرون بفقدان السيطرة على الضفة الغربية أيضاً.
ففي حين تسعى السلطة الفلسطينية إلى ترسيخ وجودها في قطاع غزة من خلال آلية تنسيق، فإن الوضع في الضفة الغربية يتدهور، من عنف المستوطنين وتآكل مكانة الأجهزة وفقدان ثقة الشعب.
وتتسع الفجوة بين التظاهر بالتأثير على غزة وصعوبة ضمان الأمن اليومي في الضفة الغربية.
في لقاء مجلس السلام في واشنطن، الأسبوع الماضي، ساد استخدام لغة تقنية وإدارية تكاد تكون بيروقراطية.
فقد قل التحدث عن الرؤية الوطنية والحقوق الجماعية، وزاد التركيز على الآليات واللجان وأساليب التنفيذ.
قد يكون هذا تكتيكاً مدروساً لإضفاء طابع أمريكي يناسب الأذن الأمريكية وأذن ترامب.
ولكن الساحة الفلسطينية تفسر الأمور على أنه تنازل عن الرواية الوطنية لصالح خطاب إدارة الأزمات.
قد تجادل قيادة السلطة بأن البديل أسوأ: غياب تام وإبعاد عن طاولة المفاوضات واتخاذ القرارات بدون أي مشاركة للفلسطينيين.
في ظل واقع إقليمي ودولي معقد، قد يكون التواجد، حتى لو كان محدوداً، أفضل من الانقطاع، وربما حتى من الانهيار المستقبلي.
ولكن هذه الحجة لا تظهر إلا عمق التآكل.
فالسلطة التي تثق بمكانتها لن تكتفي بتواجد رمزي، بل ستضع شروطاً بالحد الأدنى، وترسم خطوطاً حمراء، وتملي جدول أعمالها.
عندما تصبح المشاركة نفسها إنجازاً فهذا دليل على تناقص الفضاء المتاح بشكل كبير.
في نهاية المطاف، يعتبر مكتب الاتصال آلية تقنية في جوهره، رمز لمحاولة السلطة الفلسطينية الحفاظ على مكانتها في عصر تتجه فيه مراكز القوة بعيداً عن رام الله.
رمز لرغبتها في إرضاء الإدارة الأمريكية لتجنب صراع آخر، ورمز لأزمة ثقة وشرعية عميقة في الساحة الفلسطينية.
من يطمحون للنفوذ في غزة، عليهم إظهار القوة والنفوذ في الضفة الغربية.
في غضون ذلك، يبدو أن السلطة الفلسطينية تكافح من أجل الحفاظ على ما تبقى أكثر من قدرتها على رسم ملامح المستقبل.
جاكي خوري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك