كلما ضاق الأفق.
انفتحت السماء.
وكلما اشتدت العواصف.
فاجأتنا مصر بهدوء العارفين.
وكلما قالوا انتهت الحكاية.
عادت بقوة البدايات الأولى.
«يا مصر بتعمليها إزاي؟ » جملة جاءت على لسان الفنان بهاء سلطان في أغنية إعلانية عابرة، لكنها في حقيقتها سؤال وجودي فلسفي عن سر الحالة المصرية منذ ثورة يوليو وحتى ما نعيشه اليوم في زمن الجمهورية الجديدة.
جملة تختصر دهشة القريب قبل الغريب.
دهشة أمام وطن ينجز في سنوات ما كان يحتاج إلى عقود، ويصنع من الأزمات معابر، ومن التحديات طاقة دفع، ومن الشك يقيناً.
وربما يتردد السؤال نفسه اليوم على ألسنة كل من يتابع المشهد الدرامي المصري في موسمه الحالي.
فنحن بلا مبالغة أمام موسم درامي استثنائي بامتياز.
موسم لم يأت بالصدفة بل بوعي ورؤية استراتيجية ودراسة عميقة من الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التي فاجأتنا هذا العام بتنوع غير مسبوق في الشكل والمضمون.
تنوع لا يتركك إلا وقد أشبعت رغباتك البصرية وارتويت من ظمئك الفني وخضت تجربة درامية متكاملة كنت في حاجة إليها، وكان انتظارك لها وإن طال انتظاراً مشروعاً ومستحقاً.
تجربة ليست للمتعة فقط بل للوعي، ليست للتسلية وحدها بل لإعادة بناء الذاكرة الجمعية، وللاقتراب من مفهوم الوطن بوصفه سردية كبرى، ومن المواطن بوصفه بطلاً يومياً في ملحمة الحياة.
هنا تجد البطل الشعبي في أعمال مثل «على كلاي ودرش».
ذلك البطل الذي يتشكل من لحم الناس وعرقهم، وتجد الحقيقة في مواجهة رجال الظل وهم يتصدون لرأس الأفعى وذيول الجماعة.
في دراما تستعيد مفهوم الصراع بين النور والعتمة، وبين الدولة والفوضى، وبين المعنى والعدم.
وتجد الألم ممتزجاً بالصدق في «صحاب الأرض» حيث تتحول الأرض من مجرد جغرافيا إلى كيان روحي، وتشهد مباريات فنية في الأداء التمثيلي وصراعات جمالية في اللغة البصرية عبر أعمال مثل «اتنين غيرنا» أو «على قد الحب وعين سحرية وتوابع وأولاد الراعي وكان يا ما كان»، حيث يتجسد التنوع في الثيمات، وفي البنية الدرامية، والأساليب الإخراجية، ومستويات التلقي.
وتشهد إعادة اكتشاف حقيقية ليوسف الشريف في مسلسله الجديد «فن الحرب»، حيث يغادر القالب المألوف إلى فضاء أكثر بساطة في الحكي والمعنى، وتستمتع بأداء متزن وعميق للفنانة هند صبري في «مناعة».
وتنبهر بحالة «تغيير الجلد» التي يقدمها الفنان ياسر جلال في «كلهم بيحبوا مودي»، وهو مفهوم فني يشبه التحولات النوعية حيث لا يعود الممثل هو نفسه بل يولد من جديد داخل كل دور.
وبالثقة المتزايدة يوماً بعد يوم في أداء روجينا في «حد أقصى»، حيث يتجسد نضج التجربة وتتحول الشخصية من مجرد حضور درامي إلى خطاب اجتماعي متكامل.
هذا التنوع ليس مجرد تنوع في الموضوعات بل هو تنوع في الرؤية الجمالية، وفي اللغة السردية، وفي النجوم الذين تصنعهم الشركة وتمنحهم الضوء والفرصة مثل أحمد رمزي في «فخر الدلتا»، وعشرات الوجوه الجديدة التي أصبحت قريبة من الشارع ومن الناس ومن نبض الحياة اليومية.
إنه تنوع نوعي لا يقدر عليه إلا كيان واعٍ بدوره الثقافي، ونجوم صناعة هم فخر المهنة في العالم العربي كله، نجوم هم بحق القوة الناعمة التي تعيد بناء الوعي، وتنسج جسور الثقة بين الفن والجمهور، في صناعة كادت أن تندثر تحت وطأة الاستسهال والتكرار، لولا رجال الظل الذين أخذوا على عاتقهم مهمة الإحياء من جديد بالتطوير والتجديد، وبالرهان على الذكاء الجمعي للمشاهد.
يا مصر.
بتعمليها إزاي؟ أي عزيمة هذه التي لا تنفد؟ وأي خبيئة روحية تعتمدين عليها لتبهري العالم مرة بعد مرة؟ كيف استعدت الاعتبار لموسم درامي كان مهدداً بالغياب من حياتنا وذاكرتنا؟ أي سر وراء هذا الإيمان العميق بقدرة الفن على صناعة الإنسان؟ وبأن الدراما ليست مجرد حكايات تُروى بل وعياً يُبنى ووجداناً يُصاغ وهوية تُستعاد؟
الشاشة اليوم أصبحت أكثر التصاقاً بالشارع.
أكثر قرباً من الناس.
أكثر صدقاً في التعبير.
أكثر إقناعاً وأكثر إبهاراً.
إنها شاشة تستحق الثناء كما تستحق التأمل، وتستحق أن نتوقف أمامها بالسؤال:

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك