يخشى اللاجئون ومستحقو المساعدات الفلسطينيون أن يكون تقليص خدمات وكالة أونروا وأدوارها مقدمة لإنهاء دور الوكالة الأممية كلياً، بينما تسمح إسرائيل لمؤسسات أخرى بممارسة الأدوار نفسها.
يمنع الاحتلال الإسرائيلي دخول آلاف الشاحنات التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" أونروا"، المتوقفة على معابر قطاع غزة منذ مارس/ آذار 2025، وتضم مواد غذائية تكفي القطاع ثلاثة أشهر، مع مئات آلاف الخيام والأغطية، وكميات كبيرة من الأدوية، ما جعل الوكالة الأممية تغيب عن ممارسة أدوارها في التعليم والإغاثة والعلاج، ورغم تأكيدات الوكالة استمرار عملها في غزة، إلا أن الواقع على الأرض يظهر تراجعاً كبيراً في مستوى خدماتها.
في أحد أزقة مخيم الشاطئ، كان وائل أبو حجاج (55 سنة) متوجهاً للحصول على طعام من إحدى التكيات الخيرية، ويقول لـ" العربي الجديد": " نعاني من شح خدمات أونروا في الفترة الأخيرة.
كنت أحصل على دواء ارتفاع ضغط الدم من عيادات الوكالة بشكلٍ دوري، وكانوا يعطونني أربعة أصناف من الدواء تكفي ثلاثة أو أربعة أشهر، وقد توقف صرف الدواء.
تماماً، ما يضطرني للذهاب إلى عيادات مؤسسات دولية أخرى تمنحني نوعاً واحداً يكفي عشرة أيام، ما يخلق مضاعفات صحية لي".
ويضيف أبو حجاج: " الأمر لا يقتصر على الدواء، إذ كنا نحصل على دقيق وطرود غذائية، ومع ظروف الحرب، تقلصت المساعدات الغذائية، وحتى المساعدات المادية التي كانت تستفيد منها بعض الأسر توقفت.
مع توقف خدمات أونروا، تركنا في المخيم نواجه مصيراً كارثياً، وها أنا أذهب إلى التكية الخيرية للحصول على وجبة غداء لعائلتي لأني متعطل عن العمل، وقبل الحرب، كنت أعمل في مشاريع التشغيل المؤقت التي تقدمها أونروا، التي كانت مسؤولة عن كل شيء في المخيم، ونسبة 90% من الخدمات التي كانت تقدمها توقفت، باستثناء خدمة جمع النفايات من الشوارع التي ما زالت تقوم بها من خلال شاحناتها".
فصلت أونروا 600 موظف موجودين حالياً في مصر وقلصت الخدمات، وهي تغيب عن ممارسة بعض أدوارها رغم استمرار عملها في غزة.
يجر يوسف أبو لبدة عربة تحتوي على ثلاثة طرود غذائية مع أخوته في أحد شوارع مخيم الشاطئ، حصلوا عليها من مؤسسة غير" أونروا"، وهو يرفض كل ما تتعرض له الوكالة من تضييق ومحاولات إنهاء، كونها المؤسسة التي دأبت على خدمة اللاجئين منذ نحو 75 سنة.
يقول لـ" العربي الجديد": " كنا نرتاد عيادة أونروا التي تسمى شعبياً (سويدي الشاطئ)، ونحصل على ما نحتاجه من الدواء.
العيادة مغلقة حالياً، ونلجأ إلى مؤسسات صحية أخرى أو نقاط تابعة للوكالة تقدم الحد الأدنى من الرعاية الصحية".
ويحكي أبو لبدة عن الحال الذي وصل إليها اللاجئون بفعل غياب" أونروا"، موضحاً: " جميع الخدمات تقلصت، من تعليم وصحة ومساعدات مالية وغذائية.
كانت هناك أربعة مراكز صحية تخدم المخيم، والآن لا توجد خدمات، ما فاقم معاناة كبار السن والفئات التي تحتاج إلى رعاية خاصة مثل أصحاب الأمراض المزمنة، ولا نملك مقدرة لشراء الأدوية من الصيدليات".
ولا يقل تأثر القطاع التعليمي عن القطاع الصحي، إذ تحولت مدرسة ذكور الرمال التابعة لـ" أونروا" بحي النصر في مدينة غزة إلى مركز إيواء، وتكتسي واجهاتها بالسواد الناجم عن طهي الطعام على الحطب، وهذا الحال يطاول المدارس كافة، بينما يُعلَّم الأطفال في خمس خيام، من بينها اثنتان منصوبتان في ساحة المدرسة، وثلاث غرف من الشوادر مقامة بين جدار المدرسة الخارجي وأحد جدران المدرسة من الداخل.
ويقول أحد القائمين على هذه النقطة التعليمية، وقد طلب عدم الكشف عن هويته، إن التعليم الوجاهي ينتظم بصورة جزئية بواقع ثلاثة أيام أسبوعياً لكل مرحلة، بحيث تدرس طالبات الابتدائي أيام السبت والاثنين والأربعاء من الساعة الثامنة صباحاً حتى الحادية عشرة والنصف صباحاً، وبعد ذلك، تدرس طالبات المرحلة الإعدادية من الحادية عشرة حتى الثالثة مساءً، وفي الأيام الأخرى من الأسبوع، ينتظمن بالتعليم الإلكتروني، وفي أيام الأحد والاثنين والأربعاء ينتظم الطلاب الذكور من المرحلتين الابتدائية والإعدادية في الفترات نفسها.
في نقاط تعليمية أخرى، يبدو الوضع أكثر صعوبة، ففي خيمة تعليمية تابعة لـ" أونروا" داخل العيادة المركزية" سويدي النصر"، والتي تحولت إلى مركز إيواء بعد توقف خدماتها الصحية بسبب لجوء النازحين إليها، كان الأطفال يجلسون على الأرض بلا مقاعد، في مشاهد تحاكي ما كان يعانيه الأجداد إبان النكبة.
يسير طالب الابتدائي إلياس حمد رفقة زميله ياسر شبات بعد انتهاء الدوام المدرسي عائدين إلى غرفهما داخل مركز الإيواء، ويحكي حمد لـ" العربي الجديد": " انقطعنا فترة طويلة خلال الحرب عن التعليم، والآن أصبحت بالصف الخامس، وانتظمت الدراسة نوعاً ما رغم عدم وجود مقاعد، ومعاناة كبيرة أثناء كتابة الواجبات".
وفي موجة التقليص الأخيرة، فصلت" أونروا" 600 موظف موجودين حالياً في مصر، وقلصت الخدمة بنسبة 20%، ما انعكس على رواتب الموظفين التي تقلصت أيضاً.
ويؤكد رئيس اتحاد الموظفين في الوكالة الأممية مصطفى الغول لـ" العربي الجديد" أن" تقليص ساعات العمل يؤثر على الخدمات المقدمة للاجئين، ويؤدي لاكتظاظ العيادات، فالاستغناء عن أي وظيفة يعني الاستغناء عن جزء من الخدمة، وبالتالي خفض ساعات العمل يزيد الضغط على الأطباء، وفي المدارس، يتأثر وقت الدوام وجودة الخدمة.
منذ شهور طويلة لم تدخل أية أنواع من المساعدات لأونروا، التي تتمتع بخبرة كبيرة، ولديها أسطول كبير من الشاحنات والمخازن، ولن يستقيم نظام المساعدات إلا إذا كانت أونروا موجودة".
ويشير الغول إلى أن" أعداد موظفي الوكالة تقلصت من 13 ألف موظف إلى 10 آلاف بسبب السفر أو الفصل أو الاستشهاد أو التقاعد"، معبراً عن مخاوفه من عدم استمرارية أونروا" التي كانت الشاهد الوحيد للفلسطينيين، ولها بالوجدان الفلسطيني معانٍ كثيرة منذ نحو 70 عاماً".
في المقابل، يؤكد المستشار الإعلامي لوكالة أونروا عدنان أبو حسنة لـ" العربي الجديد" أنّ الوكالة تواصل عملياتها في قطاع غزة، وأنها استعادت العملية التعليمية في مدارسها المدمرة التي تضم 300 ألف طالب، من بينهم 70 ألف طالب ينتظمون بالتعليم الوجاهي، لافتاً لوجود مصاعب جمة، فلا توجد قرطاسية ولا مقاعد دراسية، مع ضغوط نفسية على الطلاب، ونحو ثمانية آلاف مدرس ما زالوا يعملون.
ويوضح أبو حسنة أن" أونروا ما زالت تعمل بالقطاع الصحي، وهناك عيادات مركزية، وافتتحنا عيادات بمدينة غزة ومخيم البريج، وتستقبل العيادات يومياً نحو 18 ألف مريض، كما نواصل ترحيل النفايات الصلبة، وتوزيع المياه على مئات آلاف الفلسطينيين.
هناك عقبات تضعها إسرائيل بوجهنا، منها منع الموظفين الدوليين من دخول غزة والقدس والضفة، ولدينا آلاف الشاحنات التي تنتظر على أبواب القطاع، والتي تحتوي على مواد غذائية ومئات آلاف الخيام وكميات كبيرة من الأدوية، وما زالت إسرائيل تمنع إدخالها".
ويحذر أبو حسنة من أن" أونروا تعيش واقعاً مالياً صعباً منذ توقف الدعم الأميركي البالغ 360 مليون دولار، وتوقف الدعم السويدي، وخفض دول أخرى دعمها، وتراجع الدعم العربي بأكثر من 94% عما كان عليه خلال العام الماضي، مع محاولات إسرائيلية للتضليل والتشكيك بدور أونروا، وتأثيرها على البرلمانات في المدن الأوروبية".
تضطر المسنة عطاف نعيم التي تسكن في نفس العيادة إلى قطع مسافة كبيرة للوصول إلى أقرب عيادة لـ" أونروا"، وهي تعيش داخل غرفة تشبه الكهف المعتم لعدم وصول الضوء، وهي تعاني من أمراض عدة، وتعيش وحيدة منذ استشهاد ابنها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك