بينما كان الرجلان يقتربان من ضريح أبي الحسن الشاذلي، لاح لهما قبر، فغمس «سرحان» إصبعه في الهواء، وسأل:
لمن هذا القبر القريب من ضريح القطب الكبير؟هذا لامرأة صالحة تسمى زكية بنت عبدالمطلب.
هل عاصرت الشيخ، وأذن لها بالدفن في هذا المكان؟لماذا تتصور أن زماننا يخلو من متصوفات زاهدات عابدات ذات كرامات؟لا يخلو زمن من الصالحين والصالحات.
هي زكية بنت عبدالمطلب، وُلدت بقرية ميت سلسيل بمركز المنزلة في محافظة الدقهلية مع مطلع القرن العشرين، لأب أزهري من الأعيان، وعاشت اثنين وثمانين عاماً، كانت كفيفة فوهبها أبوها لحفظ القرآن الكريم، فأتمته وهي ابنة الخامسة عشرة من عمرها.
تزوجت وأنجبت بنتاً سمّتها «نفيسة»، وانضمت في شبابها إلى الطريقة الشاذلية، لكنها لم تلبث أن تركت قريتها وأقامت في درب الطبلاوي بجوار سيدنا الحسين، وكرّست جهدها لخدمة الفقراء، تنفق عليهم ما ورثته، وما يعطيه الموسرون لها.
تؤكلهم وهي تدعو: «اللهم اجعل طعامي لهم شفاء».
وتنصت إلى مشكلاتهم وتسعى في حلها، مستعينة في هذا بعلية القوم من أصحاب النفوذ والمشاهير الذين كانوا يقصدونها طلباً للبركة.
ألم يكن الأوْلى بها أن تدفن بجوار «الحسين»؟يقال إنها رأت في المنام، بينما كانت على مشارف الثمانين تعتمر، أنها ستدفن هنا في قلب الصحراء، فاشترت قطعة أرض بجوار الضريح، وأقامت فيها غرفة بسيطة، انقطعت فيها للذكر وقراءة القرآن، طيلة سنواتها الأخيرة، وقالت لخادمها محمد عبداللطيف، الذي صار إمام مسجد القصير فيما بعد: «حين يسترد الله وديعته ادفني بجوار الشاذلي»، وقد حاول بعض أقاربها ومريديها أن يعيدوها إلى القاهرة فرفضت، وكانت تقول: «سيدي أبو الحسن الشاذلي أمرني بالبقاء هنا».
وحين زارها محافظ البحر الأحمر اللواء يوسف عفيفي ليطلب منها العودة إلى القاهرة، وقال لها: «الرئيس جمال عبدالناصر أصدر قراراً عام 1962 بأن يكون مقامك بالقاهرة بجوار مولانا الحسين»، ابتسمت، وقالت له: «مكان دفني أكبر من جمال عبدالناصر، فالأمر كله بيد الله».
وما الذي جعلها تتعلق بالشاذلي إلى هذا الحد؟حين حفظت القرآن كافأها أبوها بأن ترافقه في الحج إلى بيت الله الحرام.
وكانت طريقهما برياً إلى عيذاب، ثم يركبان البحر إلى الأراضي الحجازية، وفي الطريق زارا الشاذلي، وظل أبوها يحدثها عن مآثره وكراماته، وكان من مريدي الطريقة الشاذلية، فانتبهت «زكية» إلى ما يحدثها به والدها، وأحبت الشاذلي، حتى إن الرجل الذي تزوجها وهو ابن خالها الشيخ محمد المهدي كان شاذلياً أيضاً، وكانت تصحبه لحضرة في القاهرة تقيمها الطريقة كل يوم جمعة.
يبدو أن انجذابها إلى هذه الحضرات جعل المقام يستقر بها في درب الطبلاوي؟نعم، تعلقت بشيخ الطريقة ومريديها، ورأت نفسها في خدمة الفقراء، وحين استبد بها الوجد، وانشغلت بالطريق وأهله عن بيتها، استشار زوجها شيخه عبدالرحيم، وكان رجلاً صالحاً، فقال له: «الشمس والقمر لا يجتمعان»، ففهم الرسالة وعرف أن لزوجته مهمة أخرى، فطلَّقها، وتركها لحالها، فساحت في رحلات إلى أولياء الله الصالحين، حتى انتهت إلى سكني زاوية شيخ الطريقة، وذاع صيتها بين الناس، فقصدوها لقضاء حاجاتهم من إعانات ودعوات، ولم تكن ترد أحداً خائباً.
طبيعي أن يقصد المساكين من يعطيهم.
لم يقتصر الأمر على هؤلاء، فقد وقف بباب الحاجة زكية وزراء ورجال أعمال ومشاهير من أهل الفن، وكان بعض كبار رجال الدولة يغسلون بأيديهم دورة مياه زاويتها، وأصحاب مناصب يقبّلون يديها، وجميعهم يقرون لها بالولاية، ويعددون مناقبها ومآثرها، بوصف حالها، والحديث عن كرمها، وفضل دعواتها، وكان المتصوفة يوصى بعضهم بعضاً بها، ويقولون: «من أراد أن يتعلم الأدب مع الله فليذهب إلى الحاجة زكية»، بل هناك من كتب فيها شعراً.
نعم، أتذكر قصيدة لشاعر يدعى أحمد أبو الحسن، قال فيها:
«حُسين جدها سبط النبي.
كرام الحي أعلام العشيرة.
حباها المصطفى فضلاً وعِلماً.
لآلئ بها العين قريرة.
عيون في القلب بها تراكا.
فحاذر عندها نور البصيرة.
إذا صمتت يصافح نداها.
وإذا نطقت فعن طيب سريرة».
طلب سرحان من عرفان أن يعيد إنشاد الأبيات، وكأنه أراد حفظها عن ظهر قلب، فلما انتهى، سأله:
ذكروا الكثير منها، فقد نُقل عنها أن تسمية ابنتها تعود إلى أن السيدة نفيسة قد زارتها في المنام، وبشّرتها بإنجاب بنت، بعد طول انتظار.
وهناك حكاية سردتها الواعظة د.
عبلة الكحلاوي، التي كانت دائمة التردد عليها مع أبيها المنشد المعروف محمد، فتقول إن الحاجة زكية قد تنبأت لها بما صارت إليه، ووضعت في يدها ذات يوم بعض القروش وقالت لها: «احتفظي بها ستصبح كثيرة جداً».
وهو ما كان، إذ احتفظت بالقروش وصارت ثروة طائلة.
هل هذا كل ما سردته عبلة الكحلاوي عن كرامات الحاجة زكية؟لا، هناك حكاية أخرى، فالحاجة زكية حين ذهبت لأداء العمرة، طلبت من السائق أن يأخذها إلى عبلة، وكانت حينها قد انتقلت للتدريس في جامعة «أم القرى»، وسألها السائق: أين تسكن؟ فقالت له: امضِ كما أخبرك، فنفذ أمرها، حتى أوصلته إلى شارع المنصور، ثم قالت له: اسأل هنا؟ ففعل، فدله الناس على سكناها، وأدخلتها عبلة غرفتها، وقالت لها: هي لك طوال أيام بقائك معي، ففوجئت بها تقول لها، وهي الكفيفة: «على سريرك فرش ألوانه جميلة»، وكان كذلك.
وظلت عبلة ثلاثة أيام لا تذوق طعم النوم لكثرة زوار بيتها للقاء الحاجة زكية، ولما غادرت لأداء العمرة، رأت عبلة في غرفتها نوراً مبهراً.
أتذكر أن أحدهم قد حكى شيئاً عن كرامة لها بينتها أمام المحافظ فسكت عنها.
يقال إن اللواء يوسف عفيفي قد زارها في الغرفة التي اتخذتها زاوية بالقرب من سيدي أبي الحسن الشاذلي، ومعه نفحة عبارة عن خمسة أطنان من الأرز والسكر والزيت حتى تكرم زائريها كعادتها، وعرض عليها بيتاً بديلاً في قرية مجاويش بالقرب من الغردقة، لكنها أبت، وقالت له: خذ نفحتك واذهب، ثم طلبت منه أن يُعبّد الطريق إلى مقام القطب الصوفي الكبير، وخط تليفون أرضي إلى زاويتها، فأخبرها أن هذا في حاجة إلى خمسة ملايين، والموازنة لا تسمح، فنادت خادمها أن يأتي إليها بكيس نقودها، والتقطت منه خمسة شلنات، ودستها في يده، وقالت له: ابدأ بهذه.
تعجّب منها، لكنه لم يرد عطيتها، ودسها في جيب بذلته، ونظر في وجوه مرافقيه وكانوا رؤساء المدن ومدير الأمن، فصمتوا.
فلما عاد إلى مبنى المحافظة وجد رئيس هيئة البترول في انتظاره، لينهى خلافاً بين الهيئة والمحافظة، بعد أن أمر رئيس الوزراء بعقد اجتماع عاجل بينهما.
سأل رئيس الهيئة المحافظ: ما هي طلباتك؟ فوجد نفسه يقول له: رصف الطريق من سيدي سالم إلى حميثرا، فأخرج رئيس هيئة البترول شيكاً من جيبه بخمسة ملايين جنيه، ووضعه في المكان نفسه الذي استقرت فيه نقود الحاجة زكية، وقال له: ارصف الطريق ولك منا عشرة أضعاف هذا المبلغ.
يروي محمد عبداللطيف أن الحاجة زكية حرصت طوال أيامها الأخيرة على البقاء في مقام الشاذلي من صلاة المغرب إلى ما بعد العشاء.
وذات يوم استمر بقاؤها إلى جانب الضريح حتى الصباح، ثم قالت لي: دنا الأجل، وطلبت مني شراء زجاجات من الشربات وعشرين جوالاً من الدقيق، وكثير من الخراف التي بحوزة أهالي المنطقة، وكأنها تستعد لحفل كبير، فلما عادت إلى زاويتها غسلت كفنها بماء زمزم كانت تحتفظ به في قارورة، وقالت لي: صلي على الجنازة في المقام، وبعد دفني اذبح وأعدد وليمة ليأكل الفقراء.
وفي يوم 28 سبتمبر 1982، استدعت عبداللطيف وأخبرته أنها ستلاقى ربها اليوم، فجاء إليها بالشيخ سيد جعفر، إمام مسجد «الفران»، أقرب المساجد لزاويتها، فأوصته أن يقرأ على قبرها سورة الإخلاص، ويهديها لروحها.
ولمّا ماتت حمل نعشها ستة أفراد إلى داخل المقام، عند السادسة صباحاً، وصلوا عليها وهم يبكون، ثم دفنوها في المكان الذي حددته.
إلى الآن يقف قاصدو الشاذلي أمام قبرها، ويدخلون زاويتها التي تسكنها روحها، فيشعرون براحة وسكينة، بينما تسرى تلاوة القرآن في خشوع.
ويتذكر من يعرفها جيداً منهم كلمات كانت ترددها في أيامها الأخيرة: «سترون غداً الأسرار هنا والكرامات، فنحن آل البيت نعطي الكشف للصبيان كرامة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك