يجوب شوارع الجيزة لساعات طويلة على قدميه، لا يمل ولا يكل، حتى وهو صائم في شهر رمضان، إذ يبدأ يومه قبل الفجر، ويواصل عمله بلا توقف حتى بعد صلاة العشاء، حاملاً على كتفيه «تنك» العرقسوس، ليؤمن العبد على السيد، 53 عاماً، لقمة العيش لأسرته المكونة من 5 أبناء، وأحلامه البسيطة التي تتلخص في الستر وراحة البال، وكانت سبباً في انتقاله من سوهاج إلى الجيزة.
«السيد»: أبدأ قبل الفجر والكوباية بـ5 جنيه وأكسر صيامي لوحدي على شاي.
يبدأ «العبد» يومه قبل الفجر، إذ يقوم بتخمير العرقسوس، من خلال نقعه في كمية قليلة من الماء مع بيكربونات الصوديوم، أو البيكنج صودا، لتعزيز لونه الأسود، وإظهار نكهته المميزة عن أي عصير رمضاني آخر، ولتخفيف حموضته أيضاً، ثم يترك لمدة ساعة أو أكثر قبل تصفيته ووضعه في «التنك»، وفي العاشرة صباحاً ينطلق إلى عمله، يجوب شوارع الجيزة، ويبيع الكوب بخمسة جنيهات فقط: «العرقسوس لازم يتخمر عشان يبقى طعمه حلو، والحمد لله أنا راضٍ والدنيا ماشية كويس يوم كده ويوم كده».
أخاف على صحة الناس وأراعي ربنا في شغلي وعمري ما اشتغلت بالعصائر البودرة.
وفي شهر رمضان تتضاعف المسؤولية التي تقع على عاتق الرجل الخمسيني، لأن هذه الفترة تعتبر موسماً للباعة والمحلات، لذا يضع منضدة في مكان ثابت بأحد شوارع الجيزة لبيع التمر والعرقسوس والسوبيا، ويقبل عليه المارة لشراء العصائر، ويظل على هذا الحال من بعد الظهر حتى أذان المغرب، ثم يفطر على كوب شاى، ويتنقل بين محلات العطارين لشراء المكونات والخامات التي يحتاجها في تحضير العصائر: «بكسر صيامي على كوباية الشاى، وأطلع أجيب البضاعة بتاعتي، وألف على العطارين، وكل عطار بجيب منه حاجة، هو مميز فيها، ولما أخلص لف أصلي العشاء والتراويح، وأفطر مع نفسي بقى».
يعتمد «العبد» في تصنيع المشروبات على الخامات عالية الجودة، ولا يميل إلى استخدام البودرة الجاهزة، ويقول: «أخاف على صحة الناس وأراعي ربنا في شغلي، وبجيب كل حاجة طبيعية من عند العطار، وعمرى ما اشتغلت بالعصائر البودرة، دايماً بجيب أغلى حاجة».
صنع «العبد» مكاناً مميزاً لنفسه، في ظل المنافسة الكبيرة سواء من الباعة أو من محلات العصير، ليقرر ارتداء زي مميز خاص به، بعيداً عن الملابس المعتادة لباعة العصائر المتجولين، إذ يرتدي بنطلوناً وقميصاً، ويضع قطعة من القماش الأحمر حول جسده، قائلاً في حديثه لـ«الوطن»: «بقى عندي زباين في وقت قليل وبحب أبيع العصائر وأنا لابس اللبس ده، بقى سبب رزق ليّا بعد ربنا».
تعود أصول «العبد» إلى محافظة سوهاج، إلا أنه جاء إلى القاهرة منذ 43 عاماً برفقة إخوته بحثاً عن فرص أفضل للعمل، واستطاع كل منهم أن يشق طريقه بعيداً عن الآخر، فمنهم من افتتح مشروعاً خاصاً، وآخر بنى بيتاً له: «إخوتي كانوا بيشتغلوا في مصر من سنين طويلة، ودلوقتي اللي فتح محل عصير وشغال شغلانة تانية، واللي ربنا كرمه وعمل بيت، وبالنسبة لي الصعيد أحسن بس مفيش شغل كويس، وجيت القاهرة عشان لقمة العيش».
يعمل «العبد» منذ أن كان في العاشرة من عمره، إذ امتهن العديد من الحرف، حتى يساعد والده وأشقائه على تحمل أعباء ومشقات الحياة، حتى كون أسرة وأصبح أباً لـ5 أبناء، 4 أولاد وبنت وحيدة، وبسبب ظروف عمله، لا يجتمع معهم على مائدة الإفطار، كما أنه يعود إلى منزله متعباً جداً بعد الانتهاء من يومه: «بشتغل منذ أن كان عمري 10 سنوات، والحمد لله متعود على الشقا والتعب، ولما برجع بيتي آخر اليوم بكون تعبان جداً، وعايز أنام كام ساعة عشان أصحى أكمل شغل من تاني، ونفسي ربنا يفضل ساترني أنا وعيالي».
عانى «العبد» من أزمات ومشكلات كبيرة في حياته، إلا أنه لا يزال يتذكر جائحة كورونا، التي حدثت في عام 2019، وأدت إلى فرض قوانين الحظر وإغلاق الكثير من المنشآت، وهو ما أثر عليه بالسلب، وجلس في منزله فترة طويلة، فلم يستطع التجول في الشوارع وبيع العصائر، سواء في الأيام العادية أو شهر رمضان، ومع الوقت بدأ يجهز العصائر في منزله ويبيعها لجيرانه وأقاربه لعدة أشهر، حتى بدأت الحياة تعود من جديد مع تخفيف الحظر: «كانت أصعب أيام تعدى عليّ، لأنها متعلقة بشغلي ومصدر رزقي، بس الحمد لله قدرت أرجع تاني وأنزل ألف بالعرقسوس والمشروبات وربنا بيكرمني».
يعيش «العبد» حالة من الرضا مع أسرته، وتكفيه نظرة ابتسامة من أبنائه عندما يعود إليهم في نهاية اليوم، وقد جبر الله خاطره بعد ساعات طويلة من التجول في الشوارع، ولا يؤرقه سوى أمنية واحدة، يحلم بتحقيقها منذ صغره، وهي زيارة بيت الله الحرام: «نفسي أشوف الكعبة وألمسها، أمنية حياتي من وأنا عيل صغير، وأتمنى ربنا يحققها لي».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك