في واحد من أكثر أحياء إسطنبول جمالًا وروعةً، يمثّل مسجد آيا صوفيا في حي السلطان أحمد في مديرية فاتح، مزيجًا فريدًا بين التاريخ والجغرافيا.
ويكاد يكون رواية حجرية مكتوبة بأيدي الملوك والمهندسين والعباد.
.
وبقي ذلك المعلم الذي لم يعرف السكون يومًا، شامخًا رغم تبدل الأزمنة والأديان والحكام.
وآيا صوفيا ليست مجرد عمارة حجرية، إنّها ملحمة معمارية بدأت في عهد الإمبراطور جستنيان، إذ بنى الصرح الحالي بين سنتي 532 و537 ميلادية، بإشراف المهندسين إيزيدوروس وأنثيميوس.
وتحوّل عبر القرون بين كنيسة كبرى، ثم مسجد، ثم متحف، ثم مسجد مرة أخرى، ما يجعله شاهدًا على تقلبات الزمن وتحالفاته.
وينعكس هذا التاريخ الطويل في كل حجر من أحجارها.
وتُحيط بالموقع ساحات واسعة وحدائق غنّاء، أهمها حديقة السلطان أحمد التي تفصل آيا صوفيا عن المسجد الأزرق، بنوافيرها المضيئة وممراتها المُزينة بالأشجار والزهور.
وهي ساحات تمنح المكان اتساعًا ومهابة، وتقدم بانوراما ساحرة لواجهات آيا صوفيا المهيبة.
ويظهر المسجد للزائر للمرة الأولى كجبل معماري ذهبي يرتفع في السماء، بقبته الضخمة تُحيط بها قباب وشرفات صغيرة، وأربع مآذن عثمانية رشيقة تُكّمل انسياب الشكل المركزي.
وتبدو القبة الرئيسة التي يبلغ قطرها نحو 32.
66 مترًا، وارتفاعها الداخلي أكثر من 50 مترًا، كأنّها معلقة على الهواء بمهارة هندسية قل مثيلها آنذاك.
وهي نتيجة اختراع بارع في استخدام القباب والحنايا الركنية التي حوّلت مربع الأساس إلى دائرة سماوية تنطلق من قاعدة واسعة مُربّعة تحوّلت إلى دائرة بطريقة هندسية بالغة الذكاء.
تبدو من الأعلى كتكوين هندسي بالغ الإتقان، تُهيمن على فضاء المبنى بكتلتها الضخمة.
ويحيط بالقبة طوق دائري مرتفع مُزخرف بإيقاع متكرر من النوافذ المقوسة.
هذا الطوق هو أحد أهم عناصر القبة، لأنّه يسمح بدخول الضوء الطبيعي فيحوّل القبة من الداخل إلى فضاء يسبح في إشراقة سماوية.
وحول القبة الكبرى تنتشر قباب أصغر حجمًا تبدو كأنّها طبقات حماية أو أجنحة تلتف حول القبة الأم للمسجد.
وتمنح هذه القباب الثانوية المبنى شكلًا متدرجًا يُخفّف ثقل القبة المركزية ويضفي توازنًا بصريًا رائعًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك