عادت حالات التحرش السيبراني والتنمر في المدارس المغربية إلى الواجهة بعدما طالبت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، في رسالة وجهتها أخيراً إلى مديري أكاديميات التربية والتكوين، بتفعيل عمل الفرق المتخصصة في التعامل مع هذه الحالات فوراً.
كما دعت الوزارة في الرسالة إلى تكثيف تدابير مواكبة عمل الفرق المتخصصة في التعامل مع حالات التحرش السيبراني والتنمر في الوسط المدرسي، خصوصاً في مؤسسات التعليم الثانوي الإعدادي، وذلك انسجاماً مع أهداف خريطة الطريق 2022 - 2026.
وأكدت الوزارة ضرورة تفعيل عمل الفرق التي أنشئت سابقاً، واستكمال تكوين فرق جديدة في مؤسسات لم يشملها المشروع حتى الآن.
وأوضحت أنها عملت مع شركائها عامي 2024 و2025 على تكوين فرق متخصصة بمؤسسات التعليم الثانوي بهدف تمكينها من آليات التدخل والاهتمام بالحالات المسجلة من أجل ضمان سرعة المعالجة وفعّالية المواكبة النفسية والتربوية.
وشددت الوزارة على أهمية تنظيم دورات تكوين حضورية للأطر التربوية المعنية من أجل تعزيز قدراتها على رصد الحالات والتدخل عبر مقاربة وقائية وتربوية متكاملة.
وتكشف إحصاءات تربوية حديثة تفشي ظاهرة التنمر في شكل مقلق، وأن نحو ثلث تلاميذ الابتدائي تعرضوا لسخرية أو وُصفوا بألقاب مهينة، وأن هذه النسبة ارتفعت إلى 55.
9% في المرحلة الثانوية.
وتظهر أن 28.
5% من تلاميذ الابتدائي و37.
4% من الثانوي تعرضوا لدفع متعمد.
وأن 15.
2% من تلاميذ الابتدائي و29.
7% من تلاميذ الثانوي تعرضوا لممارسات تحرش ومضايقات.
وعلى مستوى العنف الرقمي، أكد 8.
3% من تلاميذ الابتدائي و8.
6% من تلاميذ الثانوي أن محتويات شخصية لهم نُشرت من دون إذن.
ويشير تقرير أصدرته منظمة الأمم المتحدة للتراث" يونيسكو" إلى أن 38.
2% من تلاميذ المغرب تعرضوا لأحد أشكال التنمر.
وتورد دراسة ميدانية بعنوان" إنماء السلوك المدني في الفضاء المدرسي" أن بين 30% و40% من التلاميذ لا يشعرون بالراحة داخل مؤسساتهم، وأن النسبة الأكبر من التنمر تحصل مع أقرانهم، وتتحدث عن أن الممارسات المرتبطة بالتنمر تزعج بين 40 و80% من التلاميذ وتؤثر سلباً على ثقتهم بأنفسهم وتحصيلهم الدراسي.
ويتخذ التنمر أشكالاً عدة أبرزها الاعتداءات الجسدية في المدرسة، مثل الضرب والدفع والتخريب المتعمد لممتلكات التلاميذ، والتنمر الاجتماعي عبر إطلاق الشائعات، والإقصاء من المجموعات، وعزل التلاميذ عن أقرانهم، ما ينعكس سلباً على شعورهم بالانتماء والأمان داخل الفضاء المدرسي.
وتصف رئيسة منظمة" ما تقيس ولدي" (لا تلمس ولدي) نجاة أنوار رسالة وزارة التربية الوطنية الخاصة بالتعامل مع حالات التحرش السيبراني والتنمر، بأنها" خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح تعكس الاعتراف رسمياً بخطورة الظاهرة وامتدادها داخل الفضاء المدرسي"، لكنها تستدرك بالقول إن" التكوين السابق للفرق لا يكفي ويبقى شكلياً في حال عدم منح صلاحيات واضحة وتوفير وسائل عملية للتدخل".
تضيف: " تعتبر منظمتنا أن التحرش السيبراني والتنمر ليسا سلوكين عابرين بين التلاميذ، بل تحوّلا إلى عنف نفسي رقمي قد يؤدي إلى اضطرابات خطيرة واكتئاب وانسحاب مدرسي، وأحياناً محاولات لإيذاء النفس".
وترى أن" مواجهة التحرش السيبراني والتنمر تتطلب الانتقال من ردّ الفعل إلى الوقاية، وإدماج التربية الرقمية والأخلاق الرقمية داخل المقررات الدراسية، وتوعية التلاميذ بخطورة النشر والتشهير والابتزاز.
كما يتطلب الأمر إشراك الأسرة، إذ لا يُدرك كثير من الآباء ما يجري في هواتف أبنائهم، وأيضاً إطلاق برامج توجيه للأسر حول المراقبة الواعية وليس التجسس، والحوار وليس العقاب".
إلى ذلك تؤكد نجاة" ضرورة توفير دعم نفسي داخل المؤسسات من خلال تخصيص خلايا فعلية وليس شكلية للاستماع، وتأهيل الأطر التربوية لاكتشاف العلامات المبكرة للضحية".
كما تشدد على" أهمية توضيح آليات الإبلاغ عن حالات التنمر، وتحديد المسؤول، وتوفير الحماية الفورية للضحية، ثم المحاسبة من دون وصم الطفل الضحية، ما يستدعي التنسيق بين مؤسسات التعليم والعدل والمجتمع المدني".
وفي وقت ترى أن التحرش السيبراني يرتقي أحياناً إلى جرائم رقمية، وأن المدرسة لا يمكن أن تتحمّل وحدها العبء، تؤكد نجاة أن" أي إصلاح لا يضع الصحة النفسية للطفل في قلب المنظومة التربوية سيبقى ناقصاً".
وتعتبر أن" مكافحة التحرش السيبراني لا تحتاج فقط إلى دوريات، بل إلى إرادة تطبيق وتكوين مستمر، ومقاربة شاملة تشارك فيها المدرسة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك