فتاة صومالية تُدعى “أمل”، تغرد في العادة لدعم حكومة بلادها، لكنها تحولت فجأة إلى الهجوم عليها حين اتخذت قرارًا يتعلق بعلاقاتها مع جهة إقليمية محددة.
ما أثار الانتباه أن الفتاة لم تكن وحدها في هذا الاتجاه، إذا لاحظ أحد أعضاء فريق “إيكاد” عدة حسابات تتشارك ذات النهج.
وكان ذلك بمثابة الخيط الذي قادنا إلى تحقيق موسع كشف شبكة رقمية منظمة، تنتحل الهوية الصومالية، وتهدف إلى تمرير سرديات سياسية تخدم أجندات إقليمية.
وفي هذا التحقيق، نحاول فك شيفرة هذه الشبكة، ونكشف طبيعة عملها والطريقة التي تُدار بها، وكذلك الأهداف التي أنشئت من أجلها.
بعد إخضاع حساب “أمل” وعدد من الحسابات المشابهة للتحليل الرقمي، وجد فريق “إيكاد” أن معظمها يعود لإناث تستخدمن أسماء صومالية محلية شائعة، وتضعن صورًا شخصية قد توصف بأنها “جذابة”، واتضح في النهاية أنها غير حقيقة، إذ صُمم بعضها عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، والآخر جُمع من مواقع ومنصات متعددة، لتبدو كحسابات عادية لمواطنين طبيعيين.
ما عزز شكوكنا حول هذه الحسابات المرصودة أن غالبيتها أُنشئ في ذات الفترة الزمنية تقريبًا، وتحديدًا في نهاية عام 2024.
ساهم ذلك في زيادة قناعة الفريق بأن إنشاء هذه الحسابات كان بتنسيق مسبق، يستهدف بناء شبكة من الحسابات ذات هوية محلية، لتُستغل لاحقًا في الترويج لسرديات موجهة.
وقبل الوصول إلى قناعة تامة بهذه الفرضية، لفت انتباهنا أن بعض الحسابات التي رصدنا ارتباطها بالشبكة أُنشئت بتواريخ قديمة نسبيًا.
وبعد البحث والتتبع، تبين أن البيانات التعريفية لمعظم هذه الحسابات تغيرت في وقت واحد، خلال سبتمبر/ أيلول 2023، لتصطبغ بالهوية الصومالية.
وما لفت النظر، خلال البحث، أن تاريخ تغيير البيانات هو ذاته الذي بدأ عنده النشاط الفعلي لهذه الحسابات.
وهو ما يعزز فرضية اعتماد جزء من بناء الشبكة على شراء حسابات قديمة وإعادة تدويرها بهويات صومالية جديدة.
وفي ذات السياق، من الممكن القول إن أحد أهم ما يفرق بين المغرد الطبيعي واللجنة الإلكترونية هو “نمط النشر”.
وقد كشف تحليلنا لبيانات النشر عن أنماط تؤكد كونها “شبكة مركزية”.
شرع الفريق في تحليل ما نشرته هذه الحسابات خلال فترة امتدت 6 أشهر تقريبًا، بدأت منذ تأسيسها في ديسمبر/ كانون الأول 2024.
ووجدنا أن أكثر من نصف المنشورات -التي زاد عددها عن 3 آلاف تغريدة- تركز في مدة زمنية قصيرة لا يتجاوز مداها 4 ساعات متتالية فقط خلال اليوم، مع انخفاض حاد في معدل النشر قبل هذه الساعات وبعدها.
وفي ذلك إشارة قوية إلى وجود نمط عمل منتظم يشبه الدوام الرسمي، ما يعزز فرضية أن الحسابات كانت تدار عبر غرف عمليات رقمية تعمل بجداول نشر محددة ومواعيد عمل ثابتة.
الانخراط في قضايا إقليمية لا علاقة لها بالصومال.
ولفهم طبيعة هدف هذه الشبكة الرقمية وأجندتها، من الضروري تتبع القضايا التي تفاعلت معها، وكذلك تحليل اتجاهات هذا التفاعل.
وفي هذا الإطار، لاحظ فريقنا أن المحتوى بشكل عام يمزج بين المحتوى السياسي والترفيهي.
وفي الوقت الذي يهدف فيه محتواها الترفيهي إلى الوصول لأكبر قدر ممكن من الجمهور، أظهر المحتوى السياسي انخراطًا واضحًا في عدد كبير من القضايا السياسية.
تشير نوعية هذه القضايا إلى أن الشبكة تُوظف في بث رسائل سياسية تتجاوز الواقع الصومالي نحو أجندات إقليمية أوسع، بل إن مساحة الشأن الصومالي لا تكاد تُذكر إذا ما قورنت بالمساحة التي احتلتها القضايا الأخرى غير ذات الصلة.
ومن خلال التحليل، تبين أن اتجاه خطاب هذه الشبكة تركز حول مجموعة من “السرديات المركزية” التي تكررها هذه الحسابات وتعيد صياغتها وتدويرها بأشكال متعددة.
فعلى سبيل المثال، نجد أنها تشن حملة على جماعة الإخوان المسلمين وتصورهم كتهديد أمني للمنطقة، وتربطهم بحركة الشباب المجاهدين.
ما يلفت الانتباه هنا أن هذه الحملة تزامنت مع حملة أخرى لعدد من الحسابات الإماراتية أو المحسوبة على الإمارات، تبنت السرديات ذاتها وروجت للمحتوى نفسه.
لم يقتصر الأمر على جماعة الإخوان، فقد لاحظنا نفس الأمر في الحملة الداعمة لميليشيات الدعم السريع في السودان.
حيث وجدنا حسابات الشبكة الوهمية -الصومالية- تتبنى خطابًا يهاجم الجيش السوداني، ويناهض الدور التركي الداعم له.
كما رُصدت منشورات تدعم انفصال جنوب اليمن، متبنية خطاب المجلس الانتقالي الداعي للانفصال، إلى جانب محتوى آخر حمل نبرة هجومية ضد السعودية.
في ذات الوقت الذي تبنت فيه حسابات داعمة للإمارات نفس الخطاب.
هذا التطابق في الرسائل والتوجهات السياسية، إلى جانب التزامن في توقيت النشر وتشابه الأسلوب الخطابي، يشير إلى تنسيق مسبق يوجه هذه الحسابات في إطار حملة منظمة، ويعزز فرضية أن هذه الشبكة لا تعمل بشكل منفرد، بل ضمن شبكة رقمية أوسع تتقاطع مع سردية بعض الحسابات الداعمة للسياسات الإماراتية في المنطقة.
من المهم هنا الإشارة إلى أن بعض هذه الحسابات لا تُدار من داخل الصومال بالأساس، إذ تظهر مواقعها في دول مثل الإمارات ومصر.
الترويج للدور الإماراتي في الصومال.
وفيما يخص المحتوى المتعلق بالشأن الصومالي، لاحظ فريق “إيكاد” تبني هذه الحسابات خطابًا ترويجيًا لدور الإمارات “الإنساني والتنموي” داخل الصومال، مع تغطية مكثفة لتحركات المسؤولين الإماراتيين في الصومال، ما يوحي بمحاولة لترسيخ صورة أبو ظبي كفاعل محوري في الداخل الصومالي.
وفي الوقت الذي تبدي فيه هذه الحسابات دعمًا للحكومة الصومالية، إذ بها تهاجم قرار إلغاء الاتفاقيات العسكرية مع الإمارات، ردًا على اتخاذ الأخيرة خطوات “تقوض سيادة البلاد ووحدتها واستقلالها”، وفق بيان مجلس الوزراء الصومالي.
حيث اعتبرت أن إلغاء الاتفاقية خطوة “تضر أمن الصومال واستقراره”، مروجة في الوقت نفسه لسردية تربط القرار بضغوط أو توجيهات من السعودية وتركيا.
هذا التناقض بين دعم الحكومة حينًا، وتبني سياسات مناهضة لها تمامًا حال حدوث تغيرات سياسية وميدانية مرتبطة ببعض الجهات الإقليمية حينًا آخر، قد يشير إلى أن الهدف من إظهار دعم هذه الحسابات للحكومة هو التماهي مع الخطاب الصومالي الداخلي، لاكتساب أكبر قدر ممكن من الرأي العام، بغية توجيهه والتأثير عليه وقت الحاجة.
نموذج متكرر لحملات التضليل الرقمية.
مما سبق، خلص فريق التحقيقات في “إيكاد” إلى أننا أمام شبكة رقمية من حسابات مزيفة تنتحل صفة صومالية، تعمل على التغلغل داخل المجتمع الرقمي الصومالي عبر خطاب منسق، تستهدف التأثير على الرأي العام واتجاهاته، من خلال ترويج سرديات سياسية منتقاة تتقاطع مع ملفات إقليمية متعددة.
وتشير أنماط عمل هذه الشبكة ومحتواها إلى أنها ليست حالة منفردة أو معزولة، إذ تبدو نموذجًا متكررًا لمنظومات تأثير رقمية تعمل في أكثر من ساحة عربية وإفريقية.
حيث تُستخدم أدوات التضليل وانتحال الهوية للتأثير على المجتمعات المحلية وجرّها إلى صراعات إقليمية لا تنطلق بالضرورة من أولوياتها الداخلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك