لم تتشكل الهوية المصرية عبر تاريخها من عناصر مغلقة أو أصول نقية، بل من قدرة فريدة على استقبال الوافد، ثم صهره وإعادة إنتاجه في صورة جديدة تحمل ملامح مصرية خالصة.
فمصر، بتراثها الضارب في أعماق الزمن، كانت دوما قبلة للمفردات اللغوية الوافدة، ومسرحاً لتعاقب نظم سياسية ونخب حاكمة من مناطق مختلفة بقرارات العالم القديم، غير أن الحصيلة النهائية لهذا التراكم لم تكن ذوبان الهوية، بل إثراءها.
ويُعد «فانوس رمضان» مثالا كاشفاً لهذه الأطروحة، فكلمة «فانوس» لا تنتمي في أصلها إلى العربية، إذ تعود جذورها إلى اليونانية، ومثلها كلمة فنار، وانتقلت إلى اللغة المصرية القديمة، قبل أن تستقر في العربية المصرية، أما «رمضان» فهو اسم عربي خالص لشهر ذي صبغة دينية مركزية داخل الأشهر العربية، ومع ذلك، لم يقل المصريون «مصباح رمضان»، بل جمعوا بين المفردة الوافدة والشهر الإسلامي في تركيب واحد: «فانوس رمضان»، في تعبير يعكس تراكب الطبقات اللغوية والتاريخية داخل الوجدان المصري.
هذا الصهر لم يكن نتاج قرار سياسي أو لحظة تاريخية بعينها، بل تشكل عبر المجتمع نفسه، وبفعل طبيعة المصريين التي تميل إلى الجمع بين التدين والبهجة.
فالدين في التجربة المصرية لم يكن يوماً معزولاً عن الفرح، بل ارتبط بالطقس الجماعي والزينة والاحتفال، وهو ما جعل الفانوس، رمز الضوء والبهجة، رفيقاً طبيعياً لشهر الصيام الذي يبدأ بضوء الهلال، وحلوى المولد مرتبطة بمولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
ورغم شيوع نسبة فانوس رمضان إلى العصر الفاطمي، إلا أن الدولة الفاطمية حكمت أقاليم إسلامية واسعة، من المغرب إلى الشام والحجاز، دون أن تنتقل إليها هذه الظاهرة بالرسوخ نفسه، وبنفس الملامح الحضارية، وهو ما يشير بوضوح إلى أن العامل الحاسم لم يكن السلطة الحاكمة، بل المجتمع المصري وقدرته على الاحتفاظ بما ينسجم مع روحه، ثم إعادة إنتاجه عبر الزمن.
وهكذا خرجت مصر، من تفاعل مفردات وافدة وظروف سياسية متعاقبة، بملمح ثقافي جديد أضيف إلى هويتها: فانوس رمضان، رمز لا يستدعي في الوجدان الثقافي أو الشعبي إلا مقروناً بمصر، ودليل على علاقة خاصة بالشهر الكريم.
إن فانوس رمضان يقدم دلالة أعمق من كونه حكاية مفردة أو تقليداً موسميا؛ فهو شاهد على هوية لا تخشى التأثر، لأنها تملك القدرة على التحويل، ولا تبحث عن النقاء، لأنها صنعت من التراكم والانفتاح على الآخر، وفي ضوء تطور ظاهرة فانوس رمضان، يمكن قراءة التاريخ المصري كله: حضارة تستقبل الوافد وتحتويه، ثم تصهره فتعيده مصرياً خالصاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك