تُعتبر المرحلة التي تلي الولادة من أدق الفترات في حياة المرأة، إذ تمتزج فيها التحديات الجسدية بالضغوط النفسية، فبين الإرهاق المستمر والمسؤوليات المستجدة، تصبح الأم عرضة لتقلبات مزاجية حادة، ما يجعل العناية بالصحة النفسية ضرورة قصوى توازي في أهميتها الرعاية الجسدية.
أوضح الاستشاري النفسي، الدكتور وليد هندي، أن هذه الحالة ليست نمطاً واحداً، بل تنقسم إلى درجتين:
الاكتئاب الخفيف (العابر): يصيب الغالبية العظمى من الأمهات (50-80%)، يظهر فور الولادة ويستمر لمدة لا تتجاوز 12 يوماً.
الاكتئاب الشديد: حالة أكثر تعقيداً تصيب 15-20% من الأمهات، وقد تمتد من أسبوعين إلى 8 أشهر، وتتطلب تدخلاً طبياً ونفسياً متخصصاً.
لماذا تُصاب الأمهات بالاكتئاب؟ذهب الدكتور هندي، خلال حديثه لـ«الوطن»، إلى أن مسببات هذه الحالة إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
العامل الهرموني: يرتفع إفراز الهرمونات أثناء الحمل بمعدل 10 أضعاف، وعند عودتها لمستوياتها الطبيعية بعد الولادة، يحدث اضطراب حاد في المزاج.
العوامل الاجتماعية: غياب دعم الزوج أو الأسرة، الضغوط المادية، أو عدم الرضا عن جنس المولود.
العوامل النفسية والتاريخ الشخصي: مثل التعرض لصدمات قديمة (فقدان أحد الوالدين في الصغر) أو التوتر الناتج عن ولادة طفل مبتسر، يحتاج لرعاية خاصة.
تظهر علامات الاكتئاب عبر عرضين:
نفسياً: نوبات بكاء غير مبررة، سرعة الانفعال، فقدان الثقة بالنفس، وشعور دائم بالذنب.
جسدياً: اضطرابات في النوم والشهية، انخفاض الوزن، وفقدان الاهتمام بالتواصل مع الشريك.
للتغلب على هذه المرحلة، شدد الدكتور هندي على أهمية تكاتف الرعاية الذاتية مع الدعم المحيط:
الاهتمام بالمظهر الشخصي لتعزيز الصورة الذهنية عن الذات.
تضمين المكسرات (كاللوز والكاجو) في النظام الغذائي.
الاعتماد على المشروبات المهدئة مثل المرمرية والنعناع.
ضرورة مساندة الزوج في الأعباء المنزلية وتقديم الدعم العاطفي.
توفير بيئة أسرية خالية من الضغوط النفسية.
لم تقتصر رؤية الدكتور هندي على فترة ما بعد الولادة فقط، بل أشار إلى محطتين هامتين:
اكتئاب الفطام: ينتج عن التغير الهرموني المفاجئ عند توقف الرضاعة، ويُنصح هنا بالفطام التدريجي واستخدام الكمادات الباردة لتخفيف الألم الجسدي.
متلازمة العش الفارغ: تصيب الأمهات عند استقلال الأبناء، حيث تشعر الأم بفقدان دورها المحوري بعد سنوات من العطاء، مما يتطلب تقبلاً للمرحلة العمرية الجديدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك