ومع تغيّر أولويات الولايات المتحدة وتزايد تركيزها على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إضافة إلى التحولات الداخلية في السياسة الأمريكية، أصبح السؤال الأوروبي ملحًا: هل يمكن الاستمرار في الاعتماد على شريك خارجي باعتباره الضامن النهائي للأمن القاري؟وبالطبع، بات الاستقلال الاستراتيجي خيارًا حتميًا وليس ترفًا سياسيًا.
وتبرز الحاجة إلى بناء منظومة دفاعية أكثر صلابة تربط بين القيم الأوروبية والقدرات العسكرية الفاعلة، بما يضمن استدامة الدور الأوروبي في بيئة عالمية تتسم بعدم اليقين وتسارع الأزمات.
ومع اقتراب القارة من أكبر مواجهة عسكرية منذ الحرب العالمية الثانية، وتراجع الأدوار التقليدية لبعض القوى الكبرى، أصبح تحمّل أوروبا مسؤولية أمنها ضرورة وجودية لا تقبل التأجيل.
ولطالما شكّلت أوروبا نموذجًا للقوة الناعمة عبر نفوذها الاقتصادي ومعاييرها القانونية ومنظومتها القيمية.
غير أن الحرب الروسية-الأوكرانية أظهرت بوضوح أن الردع العسكري الصلب لا يزال عنصرًا حاسمًا في النظام الدولي.
فالقيم الديمقراطية لا تحمي نفسها ذاتيًا؛ بل تحتاج إلى بنية ردع تمنع تهديدها بالقوة.
وهنا برزت الحاجة إلى ربط القوة الاقتصادية والسياسية بقدرات عسكرية فعلية، سواء عبر زيادة الإنفاق الدفاعي أو تعزيز التصنيع العسكري المشترك.
وأثبتت التطورات أن القوة الناعمة الأوروبية، رغم أهميتها، لم تعد كافية لحماية منظومة القيم القائمة على الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد، في ظل عودة منطق القوة إلى العلاقات الدولية.
ومن ثم، بات لزامًا ربط هذه القيم بقدرات دفاعية صلبة قادرة على الردع وتأمين الاستقرار.
وأصبح واضحًا أن مرحلة الاتكال قد انتهت، إذ لم يعد ممكنًا شراء الأمن أو استعارته إلى ما لا نهاية.
ويتطلب الحفاظ على الدور الأوروبي عالميًا إعادة صياغة الهيكل الأمني على أسس أوسع وأكثر شمولًا، تتجاوز الأطر المؤسسية الضيقة، وتستند إلى تعاون فعلي مع جميع الشركاء القادرين على الإسهام في حماية القارة.
غير أن نجاح هذا التحول يرتبط بتغيير في العقلية السياسية، والانتقال من سياسات الإملاء والمعايير الأحادية إلى نموذج يقوم على الاحترام المتبادل وبناء الثقة.
كما أن تجاهل الدول ذات القدرات العسكرية الحقيقية والنفوذ الإقليمي الواسع من شأنه إضعاف أي منظومة أمنية مستقبلية.
وفي ضوء ذلك، تمثل إعادة صياغة الشراكات الأمنية الأوروبية فرصة لتعزيز الاستقرار، من خلال تكامل القوة الصلبة مع الرصيد القيمي والسياسي، وبناء ردع جماعي أكثر مصداقية، يواكب عالمًا تتسارع فيه الأزمات وتتغير فيه موازين القوة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك