لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا لمديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد تشاتام هاوس بلندن، سنام وكيل، قالت فيه إن كلا من إيران والولايات المتحدة تخسران المواجهة، رغم شعور كليهما بالانتصار.
وأضافت أن وقف إطلاق النار مستمر لمنع مواجهة شاملة، مع أن التوصل إلى سلام بعيد المنال.
وقالت إن وقف إطلاق النار شهد هذا الأسبوع، ومنذ دخوله حيز التنفيذ في 8 نيسان/أبريل، جولة تصعيد جديدة.
فقد شنت الولايات المتحدة ضربات إضافية على إيران، وردت إيران بضربات على الكويت والبحرين، إلى جانب تصعيد إسرائيلي في لبنان، مشيرة إلى أن التصعيد السابق خلال الشهرين الماضيين تم احتواؤه بسرعة.
وسعى الجانبان إلى الحفاظ على التوازن بين تجنب الحرب وعدم السلام.
ولكن مع استمرار وقف إطلاق النار، فإنه ينذر بالتحول إلى مأزق آخر في الشرق الأوسط، وإن كان له تداعيات اقتصادية وسياسية دولية.
لا تثق إيران بقدرة دونالد ترامب على إبرام اتفاق، ناهيك عن الالتزام به.
ولا يقتصر الخوف على انسحاب واشنطن مجددا، بل يشمل أيضا استمرار تغيير شروط الاتفاقوترى وكيل أن هناك أربعة عوائق تحول دون إحراز تقدم، أولها الثقة، فلا تثق إيران بقدرة دونالد ترامب على إبرام اتفاق، ناهيك عن الالتزام به.
ولا يقتصر الخوف على انسحاب واشنطن مجددا، بل يشمل أيضا استمرار تغيير شروط الاتفاق، حيث تفرض أولا قيودا نووية، تليها الصواريخ، ثم السياسة الإقليمية، وأخيرا المزيد من التنازلات السياسية المغلفة بضمانات أمنية.
أما العائق الثاني، فهو غياب التواصل الفعال، فمنذ اجتماع إسلام آباد في نيسان/أبريل بين نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، ورئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، لم يتم بناء قناة تواصل مباشرة قادرة على تحويل الإشارات السياسية إلى حلول وسط.
وبدلا من ذلك، تجري المفاوضات عبر وسطاء إقليميين وتبادل متواصل للمقترحات.
العقبة الثالثة هي الفجوة بين احتياجات كل طرف، فمن جهة تريد إيران تفاصيل والتزامات، مثل تحديد العقوبات التي سترفع وموعد إعادة تجميد الإيرادات وآلية التنفيذ والضمانات ضد أي تراجع أمريكي آخر.
أما ترامب فيريد مذكرة تفاهم أسرع وأقل صرامة، يمكن الإعلان عنها وتسويقها كإنجاز تاريخي.
فمن جهة، يسعى أحد الطرفين إلى ضمانات، بينما يسعى الآخر إلى تحقيق نجاح إعلامي وانتصار.
العقبة الرابعة هي السياسة الداخلية، فأي اتفاق بين إيران والولايات المتحدة يعد كارثيا لكلا الطرفين، حيث سيكون أي اتفاق موضع هجوم الصقور الجمهوريين والمعارضين الديمقراطيين باعتباره ترضية لطهران، وقبل أن يجف الحبر الذي كتب به.
أما في طهران، فإن أي تنازل بدون ضمانات جدية ورفع العقوبات، سيكون بالنسبة لجيل جديد من القادة الصاعدين استسلاما.
وتعتقد وكيل أن مشكلة الطرفين العميقة تنبع من أن كليهما يحمل حس المنتصر، وأن الوقت في صالحه.
وتعتقد إيران أنها نجت من الضغط المشترك للولايات المتحدة وإسرائيل.
وعليه، تشعر قيادة إيران بالجرأة لأن الدولة لم تنهر وحافظت على هيكلها القيادي، وتعزز نفوذها بإغلاق مضيق هرمز.
مشكلة الطرفين العميقة تنبع من أن كليهما يحمل حس المنتصر، وأن الوقت في صالحهوترى طهران أن واشنطن بحاجة ماسة إلى خفض التصعيد، لأن أي اضطراب سيؤثر سلبا على أسعار البنزين في الولايات المتحدة والتضخم العالمي وسياسات انتخابات التجديد النصفي.
لكن الولايات المتحدة تنظر إلى الوضع بشكل مختلف، وتعتقد أنها أظهرت قوة عسكرية ساحقة، وأن وكلاء إيران قد تراجعوا، وأن قدرة الجمهورية الإسلامية على الردع قد انهارت، وأن اقتصادها يعاني من ضغوط شديدة.
وتفترض واشنطن أن طهران ستقبل في نهاية المطاف باتفاق محدود، لأن البديل هو مزيد من العزلة ومزيد من العقوبات وانهيار اقتصادي ومزيد من الضعف العسكري.
والحقيقة هي أن كلا الطرفين خاسر، فمن ناحية الولايات المتحدة، فالخسارة استراتيجية وسياسية واقتصادية.
وأي اتفاق لوقف إطلاق النار يندلع في كل مرة إلى عنف، يخيف أسواق الطاقة ويكشف شركاء أمريكا في الخليج ويعرضهم لانتقام إيران، ويقوض زعم الولايات المتحدة وقدرتها على فرض النظام.
وبالنسبة لإيران، فالبقاء ليس نصرا.
ففي الداخل، سيجبرها اقتصادها المنهك وقيادتها غير المجربة على تقديم تفسير لسبب عدم تحول الصمود إلى انفراجة.
وبلغ التضخم 77% في أيار/مايو، بينما انخفضت قيمة الريال الإيراني إلى 1.
7 مليون مقابل الدولار.
ولا تزال ذكرى احتجاجات كانون الثاني/يناير والقمع الوحشي الذي تبع ذلك وأسفر، بحسب التقارير، عن مقتل ما لا يقل عن 7,000 شخص، تلقي بظلالها على المشهد السياسي.
قد ينجح القمع والإعدامات والتواجد العسكري المكثف في احتواء المعارضة مؤقتا، لكنها لن تمحو المظالم التي دفعت الناس إلى الشوارع.
وتقول وكيل إن هذا هو خطر الوضع الراهن، حيث صمد وقف إطلاق النار لفترة كافية لمنع عودة الحرب الشاملة، لكنه لم يكن كافيا لإحلال السلام.
وقد سمح هذا التوقف للطرفين بالتظاهر بأن المفاوضات المطولة والتأجيل سيؤديان إلى نتائج.
ومع ذلك، نادرا ما تدوم حالة الجمود في الشرق الأوسط، والتصعيد المتقطع أو الانفجارات المفاجئة هو بالتأكيد جزء من هذا الوضع القائم.
وتقول وكيل إن أمريكا وإيران أمامهما فرصة ضئيلة لتحويل هذا التوقف إلى عملية سياسية، إلا أن هذا يتطلب تواصلا أكثر مباشرة وتحركا أسرع وإطارا زمنيا دقيقا وواقعيا للخطوات التالية.
وفي النهاية، لا بد من التوصل إلى حلول وسط، وإقرار بأن أيا من الطرفين لا يستطيع الوصول إلى اتفاق دائم بالقصف أو الحصار.
كما يتطلب الأمر قيادة واثقة وجريئة من كلا الجانبين للتوصل إلى اتفاق لن يرضي جميع الأطراف والمنتقدين.
وبدون ذلك، لن يتذكر أحد قرار وقف إطلاق النار في نيسان/أبريل كبداية لخفض تدريجي للقتال، بل كمرحلة أخرى لجولة تصعيد جديدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك