جليّاً كنور الشمس في رابعة النهار.
وصادماً كهزيم الرعد في عنان السماء.
جاء حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قرار رئيس الهيئة العامة للدواء رقم 600 لسنة 2023 بإدراج بعض المواد بجدول المواد المخدرة، والذي يترتب عليه إفلات العديد من مقترفي هذا الفعل من العقاب، وقد صدر الحكم استناداً على عدم اختصاص رئيس هيئة الدواء بإصدار قرار تعديل الجداول، حيث يختص وزير الصحة دون غيره بذلك وفقاً لنص المادة 32 من قانون المخدرات.
وقد رأى البعضُ على أثر الحكم الصادم أن حيثياته غارقة في الشكلية، وأن صدور القرار من رئيس هيئة الدواء وليس من الوزير هو فعلٌ شكليٌ محضٌ يمكن تصحيحه ولا يؤثر على إرادة الجاني ولا على علمه المفترض بالتجريم، وعلى ذلك يرون أنه ما كان ينبغي أن يفلتَ الجناة من العقاب لهذا الخطأ الشكلي غير المتعمد.
غير أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.
فليس الشكل ترفا قانونياً يمكن تجاهله، ولا نافلة من القول يجوز غض الطرف عنه، وإنما الشكل هو السياج الحافظ للمضمون، وهو ضمانة أساسية للحريات الفردية، وحصناً لها من التغول والافتئات، فالذي يشكو الشكل لأنه يعوق العدالة كالطائر الذي يشكو الهواء لأنه يعوقه ناسياً أن هذا الهواء هو الذي يحمله.
وقد رسخ لهذا الأمر الفاروق عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- عندما كان يسير ليلاً فسمع أصواتاً لأناس علم من خلالها أنهم يشربون الخمر، فتسلق سور المنزل وقام بضبطهم متلبسين، تدور عليهم الراح والأقداح.
لكن السكارى أبوا إلا أن يحاجوا الفاروق، فقال أحدهم: أما نحن فقد شربنا الخمر أما أنت فقد أتيت بثلاث.
تجسست وقال الله" ولا تجسسوا" وتسوّرتَ (أي دخلت البيت من السور) وقال الله (وأتوا البيوت من أبوابها) ودخلت بغير استئذان وقال الله (لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) فما كان من عمر إلا أن أذعن للحجة.
وبالتعبير القانوني (أخلى سبيلهم.
وأوقف السير في إجراءات الدعوى الجنائية).
والحقيقة التي ينبغي أن يعلمها الرأي العام في هذا الصدد.
أن محكمة النقض كانت تنظر الطعن على حكم في قضية مخدرات صادر من محكمة جنايات سوهاج، وأن الموضوع لا يخص قضية المخدرات الكبرى الذائعة إعلامياً باسم إحدى السيدات –كما يروق للبعض أن يروج ذلك- وقد استشعرت المحكمة - من تلقاء نفسها ودون طلب من أحد- عواراً دستورياً في القرار المشار إليه، فبادرت بإحالة الموضوع للمحكمة الدستورية العليا التي أصدرت حكمها.
وفي كل يوم تثبت المحكمة الدستورية العليا أنها الحارس الأمين لمبدأ سيادة القانون.
تصدع بما تراه حقاً.
مهما كانت توابعه وآثاره.
هي الحامية لكل مبادئ العدل والمساواة والحرية.
ومن أجل ذلك تربص بها المرجفون قبل عقد من الزمان وضربوا في محيطها خيام الجهل والتخلف.
محاولين النيل منها بعد أن وقفت في مواجهة أطماعهم.
حتى جاءت ريح الحرية العاتية لتقتلع خيامهم وتطفئ نيرانهم وتودي بهم إلى غير رجعة.
وبقى الصرح الرابض على نيل المعادي يواصل رسالته في حماية مقدسات المجتمع وأصوله.
وإنه لمن دواعي الاطمئنان أن يتم اكتشاف العوار وإحالته والحكم فيه من داخل المنظومة القضائية وبآلياتها، ومن واجبنا المقدس أن نؤمن أن تنفيذ حكم الدستورية هو عنوان لسيادة القانون، وإن صاحبته - في حالتنا- بعض الغضاضة، ومن الطبيعي أن نحزن بعض الوقت ونحن نري جناة يخرجون ألسنتهم للقانون فالحزن - في حالتنا أيضاً- فضيلة، إنها ضريبة تعظيم المبدأ.
إن ثمة خطأ لا بد من الاعتراف به واستخلاص الدروس المستفادة منه.
فلو كان رئيس هيئة الدواء قد أصدر قراراً معيباً بإجازةٍ دوريةٍ لموظفٍ صغير، أو احتسابِ بضع جنيهات كبدل سفرٍ لآخر.
لانتفضت الإدارات القانونية المنتشرة بوزارة الصحة تنبه إلى الخطأ.
أما وأن قراره قد صدر في أمر جللٍ وأصبح جزءاً من التشريع.
ولم يعلق أحد.
ولم يتنبه السادة المستشارون الملحقون بالوزارة من الجهات والهيئات القضائية.
ولم ينبهوا وزير الصحة بالتعدي على اختصاصه المفوض فيه بحكم القانون من رئيس هيئة الدواء.
فذلك أمرٌ يستحق التوقف بإعادة النظر في آلية إصدار مثل هذه القرارات منذ إعدادها وحتى وصولها للجريدة الرسمية للنشر، وكذا النظر في كفاءة رجال القانون الموكل لهم مثل هذه المهام بالوزارات المختلفة.
وبمجرد صدور حكم الدستورية انبرى الذين يهمهم الأمر من وكلاء المتهمين وغيرهم، بالحديث عن الحكم وظروفه وآثاره، دون أن يتطرقوا إلى كيفية الوصول إلى هذا الحكم، وتعمد الكثيرون تجاهل الحقيقة من أن محكمة النقض - من تلقاء نفسها ودون غيرها- هي التي استشعرت العوارَ بغير طعنٍ من أحد.
واستخدم بعض المتحدثين ضمائر المتكلم التي تفيد اشتراكهم.
فاستخدم بعضهم الـ" نا" الدالة على الفاعلين.
فيقول" تقدمنا" أو" طعنا" أو" قلنا".
فالكل يحاول الانتساب أو إيجاد صلة له بالحكم وهو ما تنفيه الوقائع ولم يحدث قط.
" وَكُلٌ يَدَّعي وصلاً بليلى // وليلى لا تُقِرُ لهمْ بِذَاكَا.
".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك