إياد نصار لا يمثل بل يعيش بعفار ركام الأرض حالة مؤلمة ومنة شلبي تستوحي معاناة طبيبات ضحوا من أجل وطن دون إستسلام، وبيتر ميمى أدخل المشاهد إلى عمق القضية في تحد جديد.
برغم التجارب الأولى التي قادتنا لمعرفة بعض ما حدث إبان حرب غزة، ومنها فيلم “صوت هند رجب”، فإن مسلسل “صحاب الأرض” صنع الفارق، ليعيد كشف جراح لم تُغلقها ضمادات حتى اليوم، وبعث بروائح الدم الذي لم تمتصه رمال الأرض بعد، وفرز لنا من كان مع القضية ومن ضدها، من قال لا ومن قال نعم، من ضحّى ومن سكت.
فببساطة، وبدافع الوطنية والألم الذي جرّنا وراءه، نقل المؤلف عمار صبري الحكاية، ورسم لها خطوطًا درامية، وكتب السيناريست محمد هشام عبية مشاهد مريرة، ليس فقط عن الوطنية والنضال، بل حتى عن الخيانة، التي جاء مشهدها المروّع في الحلقة الخامسة عند قتل “ناصر”" إياد نصار" أحد خونة القضية، وهو ضابط إسرائيلي زُرع في المستشفى.
ويردد ناصر: “يعني ما دفنتش أخويا ومراتي أدفن هذا الكلب؟ ! ”.
وفي المقابل، وفي الحلقة نفسها، ضحّى “حمزة” ليردى قتيلًا بطلقات صهيونية.
مشهدان في حلقة واحدة، كُتبا بحرفية عالية، مع موسيقى معبّرة، وكأننا نتابع أحداثًا من سينما أفلام الحرب العالمية الأولى، ومنها فيلم “كل شيء هادئ على الجبهة الغربية” (All Quiet on the Western Front)، وبإبداع من أمين بوحافة، الذي نجح في أن يستوحي روح المكان والزمان والحالة، وبالطبع تتر بصوت معبّر لأمير عيد، وتضفير بأهات مع موسيقى تصويرية كأنها تتكلم ضمن حوارات الممثلين.
إياد نصار يشعرك بأنه كان في غزة خلال الحرب، وأن رائحة الركام التي يجلس عليها دائمًا عن قصد تعفّر وجهه، ورسمت به ملامح أخرى غير ملامحه.
ولديّ انطباع بأن اسم “ناصر” كان مقصودًا، كزعيم ضحّى بالكثير من أجل فلسطين، ولا يزال أبناؤنا يضحّون، ولا يزال دفاع مصر مستمرًا، وسيبقى حتى ينتصر شعبها بدولة ويعيش في سلام.
“ناصر” صاحب الأرض الذي فقد كل شيء، ولم يبقَ له سوى الأرض، وهي أهم ما يدافع عنه.
ولم يكن هذا العمل ليكتمل أو يخرج إلى النور بهذا الصدق من دون إياد نصار؛ ممثل تخلّى عن أداء الممثل ليعيش داخل واقع عشناه ولم نرَ وجهه الآخر.
فمسلسل “صحاب الأرض” ينقل لنا ما حدث على الجانب الآخر، الحياة بكل تفاصيلها التي لم تُقرأ في نشرات الأخبار، ولم تُنقل عبر صور البث الحي.
وفي رأيي، هذه هي مهمة الدراما الصادقة: أن تذهب بنا إلى ما وراء الحقيقة المرة.
ولم يكن غريبًا على منة شلبي أن تتحول من ممثلة ذات موهبة خاصة إلى طبيبة في حدث كان فيه الأطباء دائمًا أول الضحايا؛ هم العيون الساهرة، وضحايا الألم والقصف، أول من قُتلوا بغير ذنب، مثل الإعلاميين وأهالي غزة الأبرياء.
في أداء “سلمى” الطبيبة، كان واضحًا أن منة شلبي قرأت ليس الشخصية فقط، بل حكايات طبيبات وأطباء، وعاشت تجربة من أهم تجاربها الفنية.
وما أسهم في تأجيج مشاعرها أنها تعلم كمّ الظلم الذي وقع على الأطباء في تلك الحرب غير المتكافئة.
مشاركة فنانين بلهجة فلسطينية أسهمت كثيرًا في صدق العمل: كامل الباشا عملاق التمثيل، تارا عبود، آدم بكري الموهوب جدًا، وهو ممثل عالمي شارك في أعمال عربية وأجنبية كثيرة، ثم سارة يوسف، والحضور المميز للفنان عصام السقا، إذ مثّل فئة السائقين المصريين الذين كانوا جنودًا أمام المعبر، ومنهم من ضحّى بنفسه من أجل إدخال جهاز طبي إلى مستشفيات غزة.
المبدع حسين عسر جعلنا نعيش مع صورة بإضاءة حرب، وروائح حرب، وليالي الموت التي أفجعتنا، نقلها لنا بحرفية شديدة.
وديكورات محمد أمين، ومونتاج أحمد حمدي، وملابس دينا مديم، التي كانت في دراما هذا العام بالنسبة لي اكتشافًا.
عيون بيتر ميمي نقلت أبعد مما كُتب على الورق؛ ما لم نره، وما لم نعرفه.
أعاد لنا القضية كي لا ننسى… ولن ننسى.
!
كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.
اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك