إن تحذير الرئيس دونالد ترامب الأخير لرئيس الوزراء كير ستارمر بشأن اتفاقية جزر تشاغوس المقترحة ليس مجرد كلام فارغ، بل هو تدخل استراتيجي في الوقت المناسب تماماً.
بل ربما يكون قد أنقذ بريطانيا من واحدة من أخطر الأخطاء الجيوسياسية في حقبة ما بعد الحرب.
تتشارك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة قاعدة عسكرية في دييغو غارسيا، أكبر جزر تشاغوس، منذ سبعينيات القرن الماضي.
وكما ذكرتُ سابقاً في صحيفة واشنطن إكزامينر، فإن دييغو غارسيا ليست مجرد إرث استعماري غامض، بل هي حجر الزاوية في بسط النفوذ الغربي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ والشرق الأوسط.
ينص الاتفاق المقترح على أن تنقل المملكة المتحدة سيادة جزر تشاغوس إلى موريشيوس، مع استئجار القاعدة لمدة قرن تقريباً، بتكلفة تُقدر بمليارات الدولارات.
ويُصوَّر هذا الاتفاق في لندن على أنه تسوية قانونية، وضرورة ضرورية لتسوية آثار الاستعمار.
في الواقع، هو استسلام استراتيجي عميق مغلف بغطاء أخلاقي.
يحق لترامب معارضته لهذا الاتفاق لثلاثة أسباب رئيسية: مصداقية الردع وتماسك التحالف والمنافسة النظامية مع الصين.
أولاً، لا يعتمد الردع على القدرات فحسب، بل على السيطرة أيضاً.
وتكمن قيمة دييغو غارسيا في موثوقيتها السياسية.
فقد عملت لعقود كمنصة آمنة وغير متنازع عليها للقاذفات الأمريكية والإمدادات اللوجستية البحرية وعمليات الاستخبارات والتخطيط للطوارئ.
ولعبت أدواراً محورية في العمليات في أفغانستان والعراق، ولا تزال ذات أهمية بالغة لقوة منطقة المحيطين الهندي والهادي.
إن نقل السيادة يُغير هذه المعادلة جذرياً.
فحتى مع وجود اتفاقية تأجير، ستنتقل السيادة القانونية إلى موريشيوس.
وتعدّ عقود الإيجار أدوات سياسية، وليست ضمانات ثابتة.
فهي قابلة لإعادة التفاوض والضغوط الداخلية والتأثيرات الخارجية.
وتعكس مقولة ترامب الصريحة بأن" عقود الإيجار لا تجدي نفعاً عندما يتعلق الأمر بالدول" حقيقة جيوسياسية أساسية: في منافسة القوى العظمى، يُعد الغموض نقطة ضعف.
ثانياً، تُزعزع هذه الصفقة منطق التحالف.
فالولايات المتحدة والمملكة المتحدة تحافظان على ما يوصف غالباً بـ" العلاقة الخاصة"، المدعومة بتكامل استخباراتي ضمن تحالف العيون الخمس وتعاون نووي وقابلية تشغيل عسكري متداخلة.
وتفترض هذه العلاقة توافقاً استراتيجياً.
وإذا أعادت لندن من جانب واحد هيكلة سيادتها على أحد أهم قواعد الولايات المتحدة في العالم دون ضمانات قاطعة مقبولة لدى واشنطن، فإنها تُدخل احتكاكاً يمكن تجنبه في هذا التوافق.
فالحلفاء لا يثيرون حالة من عدم اليقين الاستراتيجي فيما بينهم في ذروة التنافس النظامي.
ومن الجدير بالذكر أن هذه ليست قاعدة عسكرية هامشية؛ حيث تقع دييغو غارسيا على مفترق طرق بحرية حيوية تربط الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.
وهي من المواقع القليلة التي تستطيع الولايات المتحدة من خلالها بسط نفوذها الجوي والبحري بشكل مستدام عبر مسارح عمليات متعددة دون قيود على التحليق.
وفي عصر تتزايد فيه المنافسة على الوصول إلى هذه المواقع، يُعدّ تعقيد ترتيبات السيادة طوعاً أمراً غير منطقي من الناحية الاستراتيجية.
ثالثاً، والأهم من ذلك، لا يمكن تجاهل عامل الصين.
فقد أظهرت بكين نمطاً ثابتاً في تحويل العلاقات الاقتصادية إلى نفوذ استراتيجي.
ومن هامبانتوتا في سريلانكا إلى البنية التحتية للموانئ عبر المحيط الهندي، تتمثل طريقة الصين في الترسيخ التدريجي.
إن موريشيوس ليست الصين، وليس مُقدَّراً لها بالضرورة أن تمنح بكين حق الوصول.
لكن الحوافز الهيكلية مهمة.
فالدولة الصغيرة التي تتولى السيادة على أراضٍ ذات قيمة استراتيجية ستواجه منافسة شرسة.
وعلى مدى عقود يمكن للحوافز الاقتصادية واستثمارات البنية التحتية، أو الضغوط الدبلوماسية أن تُغيِّر الحسابات السياسية.
وحتى مجرد الاعتقاد بإمكانية تنامي النفوذ الصيني بالقرب من دييغو غارسيا من شأنه أن يُعقِّد التخطيط العملياتي الأمريكي.
لا تُخاض منافسة القوى العظمى في عمليات استيلاء إقليمي دراماتيكية، بل تُخاض في مناطق رمادية، من خلال النفوذ، وحقوق الوصول، والتمركز التدريجي.
ويُقر اعتراض ترامب بأنه بمجرد نقل السيادة، يتضاءل النفوذ.
وتصبح إمكانية التراجع مكلفة سياسياً وقانونياً.
سيجادل النقاد بأن الأحكام القانونية الدولية ومعايير إنهاء الاستعمار تُلزم بريطانيا بالتخلي عن الإقليم.
لكن القانون لا يعمل بمعزل عن الواقع، فالدول تُوازن باستمرار بين التفسيرات القانونية ومتطلبات الأمن.
إضافة إلى أن الحل المقترح لا يُنهي نزاعاً قانونياً فحسب، بل يُنشئ تبعية استراتيجية طويلة الأمد من خلال اتفاقية تأجير تمتد لقرن من الزمان.
والمفارقة أن المملكة المتحدة، في سعيها للظهور بمظهر أخلاقي، تُخاطر بالظهور بمظهر السذاجة الاستراتيجية.
فدفع مليارات الدولارات لإعادة استئجار أراضٍ تُديرها بالفعل، مع إدخال حالة من عدم اليقين في هيكل التحالف الغربي، ليس من الحكمة، بل هو قيد ذاتي.
إن تدخل ترامب لا يُضعف بريطانيا، بل يُعزز مصلحة استراتيجية مشتركة.
فمن خلال الإشارة إلى أن واشنطن تعتبر الصفقة غير مقبولة، يرفع التكلفة السياسية للمضي قدماً، ويعزز موقف أولئك داخل المملكة المتحدة الذين يدركون المخاطر.
وفي عصر يتسم بالتشرذم، وسلاسل التوريد المتنازع عليها، وصعود القوى المتوسطة، يُعد التماسك الغربي ميزة تنافسية.
والتخفيف الطوعي لمواقع القوة العسكرية في المحيط الهندي لا معنى له في ظل توسع الصين لنفوذها البحري.
والأمر هنا لا يتعلق بالحنين إلى الإمبراطورية، بل بالحفاظ على اليقين العملياتي في نظام يُستغل فيه عدم اليقين كسلاح.
إذا انهارت صفقة تشاغوس تحت وطأة التدقيق، فلن يكون ذلك بسبب قسوة الولايات المتحدة، بل لأن المنطق الاستراتيجي قد تغلب على الرمزية القانونية.
وفي هذا الصدد، ربما يكون موقف ترامب قد أنقذ بريطانيا من خطأ مكلف، وحافظ على ركن أساسي من أركان الردع الغربي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك