لم يكن الزمن في البحرين قديماً مجرد أرقامٍ تُحصيها عقارب الساعة، بل كان نبضاً يسكن خطوات العابرين في" دواعيس الفرجان"، وترنيمةً تتردد مع كل تحية تُلقى خلف الأبواب المشرعة التي لم تكن تُغلق إلا لتستقبل جيراناً هم بمثابة الأهل.
في تلك الحقبة، كانت الحياة تنساب بإيقاعٍ هادئ، حيث يتداخل الشخصي بالإنساني، ويتحول الجار إلى امتداد طبيعي للعائلة، ليصبح الفريج وطناً مصغراً يختزل ذاكرة الطفولة ومواسم الفرح العفوية التي لا تحتاج إلى تخطيط مسبق.
وفي تلك المساحات الحميمية، لم تكن العلاقات الاجتماعية بحاجة إلى تطبيقات ذكية لتنظيمها، بل كانت تُبنى وجهًا لوجه في المجالس العفوية وجلسات السمر التي تعقب غروب الشمس، حيث تنمو الألفة ببطء وثبات، تُغذيها المشاركة الوجدانية في الأفراح والأتراح، وشعورٌ جمعي عميق بأن المجتمع نسيج واحد لا تقبل خيوطه الانفصال.
ومع تسارع وتيرة التحديث التي اجتاحت المجتمع البحريني، أفسحت" السكيك" الضيقة المجال لشوارع واسعة، واستُبدلت الزيارات المباغتة بإشعارات رقمية، فانتقلت المجالس من دفء المكان الفيزيائي إلى برودة الفضاء الافتراضي الذي تُديره الشاشات.
لقد أصبحت العلاقات اليوم أسرع في وتيرتها لكنها أقل عمقاً في أثرها، وأكثر اتساعاً في انتشارها لكنها تفتقر إلى حرارة اللقاء الأول، بعد أن فرضت الحياة الرقمية إيقاعاً صارماً اختصر المسافات في رسالة صوتية أو مكالمة مرئية.
غير أن هذا التحول المتسارع لم ينجح في محو" الروح البحرينية" بقدر ما أعاد تشكيل طرق التعبير عنها؛ فما زالت قيم التكاتف والتراحم وحسن الجوار حاضرة بقوة، وإن اتخذت أشكالاً عصرية تتناسب مع معطيات الزمن الراهن.
إن الحنين إلى" الفريج" اليوم ليس مجرد بكاء على الأطلال أو رفضاً للحداثة، بل هو فعل استدعاء للوعي الجمعي الذي يمنح حياتنا المعاصرة معنىً وجوهراً أصيلاً.
فالبحريني وهو يتنقل بين تطبيقات العمل ومواعيد الحياة المتسارعة، لا يزال يحمل في داخله صدى نداءات الأمهات في الحي القديم، ورائحة القهوة التي كانت تجمع القلوب قبل الأجساد.
وهكذا، يمكن القول إن البحرين لم تفقد فريجها، بل أعادت بناءه في فضاء جديد؛ فضاء قد يكون رقمياً في مظهره، لكنه يظل إنسانياً في جوهره، ليثبت أن الروح التي صنعت دفء الماضي لا تزال قادرة على منح الحاضر قيمته، مهما تبدلت الأزمنة وتغيرت الأمكنة.
* أستاذ مساعد - الجامعة الأهلية، مملكة البحرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك