تشهد محافظات عراقية عدة موجات نزوح متفاوتة من الأرياف، في تحول ديموغرافي تقوده هذه المرة أزمة المياه الخانقة التي تضرب البلاد منذ سنوات، ومع تراجع مناسيب الأنهار وجفاف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وجد آلاف الفلاحين أنفسهم بلا مصدر رزق، ما دفعهم الى ترك قراهم والتوجه نحو المراكز الحضرية بحثاً عن فرص عمل بديلة، في مسار يعيد تشكيل التوازن السكاني ويضع المدن تحت ضغط متصاعد.
ففي محافظات ديالى وكركوك وصلاح الدين وذي قار وميسان والبصرة، تسجل موجات هجرة داخلية متزايدة، معظمها من مناطق زراعية فقدت مقومات الحياة، وتكشف تصريحات متتابعة لمسؤولين محليين أن القرى التي كانت تعتمد بشكل شبه كامل على الزراعة وتربية المواشي تحولت الى مساحات قاحلة، بعد انحسار حاد في الإطلاقات المائية وازدياد تأثيرات التغير المناخي.
ولا تنفصل هذه التحركات السكانية عن سياق أوسع من التراجع الزراعي الذي يضرب البلاد منذ أعوام، إذ تشير تقديرات محلية الى أن خروج مساحات واسعة من الأراضي عن الخدمة أدى إلى فقدان آلاف المزارعين لمصادر دخلهم، ومع غياب أي معالجات حكومية أو حتى إطلاق وعود بتفكك الأزمة، لم يجد المزارعون حلولا أمامهم إلا الهجرة بحثا عن مصادر دخل جديدة، بعد أن فقدوا مقومات الزراعة وتربية المواشي.
وتعد محافظة ذي قار إحدى تلك المحافظات التي ضغطت عليها الأزمة، وتتجلى الصورة فيها بأوضح معالمها.
حيث وحذر مستشار المحافظة لشؤون التصحر والجفاف، حيدر سعدي، من" تداعيات كارثية" للأزمة المائية، إذ كشف هجرة" أكثر من 10 آلاف و500 أسرة، بما يناهز 60 ألف نسمة، خلال الفترة الأخيرة"، موضحاً في تصريحات صحافية، أمس الثلاثاء، أن" 98% من المناطق الرطبة والزراعية في المحافظة تحولت إلى اراضٍ بور صحراوية غير صالحة للزراعة، نتيجة انحسار التدفقات المائية بشكل حاد".
مضيفاً أن هذه الهجرة الجماعية لم تقتصر آثارها على فقدان الأرض، بل امتدت إلى ارتفاع معدلات البطالة والأمية، فضلاً عن تغيرات ديموغرافية ملحوظة في المناطق المستقبلة للنازحين"، مؤكدا أن" الاحتكاك بين السكان الأصليين والوافدين الجدد أفرز أيضا توترات اجتماعية، تجلت أحياناً في مظاهر تنمر وتشدد، في ظل تنافس متزايد على فرص العمل والخدمات المحدودة".
كما نبه اسعدي إلى أن" المناطق التي استقبلت موجات النزوح باتت تعاني ضغطا هائلا على قطاعات التعليم والصحة والخدمات البلدية، في وقت تحولت فيه بعض القرى المهجورة الى ثكنات فارغة، قد تشكل بيئة خصبة للجريمة المنظمة أو النشاطات غير القانونية، نتيجة غياب السكان والرقابة"، داعياً إلى" إعلان حالة الطوارئ وتخصيص ميزانية عاجلة لتعويض الأسر المتضررة"، مؤكداً أن" ذي قار لا تمتلك مشاريع استراتيجية بديلة يمكن أن تمتص فقدان آلاف السكان لمصدر عيشهم الأساسي".
ولا تقتصر أزمة المياه على محافظة بعينها.
ففي ديالى، يقول حامد البياتي، وهو أحد المزارعين الذين انتقلوا إلى مدينة بعقوبة (مركز المحافظة)، إن أرضه التي ورثها عن والده" لم تعد تنتج شيئاً بعد جفاف الجداول الفرعية"، مضيفا لـ" العربي الجديد"، أنه حاول الصمود لعامين، قبل أن يضطر الى بيع جزء من ممتلكاته والانتقال الى المدينة، حيث يعمل حالياً سائقا لسيارة أجرة، لكنه يؤكد أن الدخل غير مستقر، وأن تكاليف الإيجار والمعيشة في المدينة تلتهم معظم ما يجنيه".
وفي ميسان، يروي أحد النازحين إلى مركز المحافظة، أن قرار الرحيل لم يكن سهلاً، لكن" الماء انقطع، والمواشي نفقت، ولم يعد هناك ما يبقي العائلة في القرية"، ويؤكد حسن الساعدي، لـ" العربي الجديد"، أن أبناءه تركوا المدرسة لفترة بسبب" صعوبة الاندماج في البيئة الجديدة، في حين تعاني الأسرة من ضيق السكن وارتفاع أسعار المواد الغذائية".
من جهته، حذر الباحث المجتمعي رامي الربيعي من أن استمرار النزوح الريفي دون خطط استيعاب واضحة قد يفاقم اختلالات هيكلية في المدن.
قائلاً لـ" العربي الجديد"، إن" انتقال أعداد كبيرة من السكان خلال فترة قصيرة يؤدي إلى زيادة الكثافة السكانية في الأحياء الفقيرة، وتوسع العشوائيات، وتآكل فرص العمل المحدودة أصلاً، كما أن غياب برامج دمج اجتماعي فعالة قد يفتح الباب أمام توترات بين السكان، ويعمق الفجوات الاقتصادية والاجتماعية".
يأتي ذلك في وقت تغيب فيه الحلول الحكومية لأزمة المياه وما نجم عنه من أزمات مجتمعية، وفي وقت سابق أكدت وزارة الموارد المائية العراقية، أن البلاد تمر بأشد سنوات الجفاف، نتيجة التغيرات المناخية وتراجع الواردات المائية، فضلاً عن السدود المقامة في دول المنبع.
هذا الواقع يضع العراق أمام تحدٍ مزدوج في إدارة شح الموارد المائية داخلياً، والتعامل مع تداعياته السكانية والاجتماعية المتسارعة، التي تشكل ملامح الخريطة السكانية المختلفة في العراق، وتتحول الى عامل حاسم يعيد توزيع السكان ويضغط على البنية الحضرية في بلاد أنهكتها الأزمات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك