بعين بصيرة، طوّع أدواته الإخراجية، وبمشية الهوينى، عمّر تشكيلاته البصرية، فكانت لينة العريكة، سلسة القيادة، ليرفع ستار الدراما عن عرضه الرمضاني لهذا العام (مولانا)، وإذ به يكرس في عقلية متابعيه صورة ذهنية منمطة، (سامر برقاوي)، اسم مرافق لإنتاجات مرئية، تعلِّم وبأختام دامغة.
والبداية مع الزمكانية، قرية حدودية، يرأسها النظام السابق، بعد انتهاء الحرب، وما زالت أياديه تعبث فساداً في أراضيها، ولمجرد دوران الحدث الدرامي في قرية، فهذا يعني بلوكات تتنوع بين السهول الشاسعة، والمساحات الخضراء الممتدة، التلال والوديان، الينابيع والشلالات، كل ذلك دفع بكاميرا (برقاوي) نحو اعتماد التصوير الخارجي، لتغطية جمالية الطبيعة بلقطات عامة، مع تكثيف زوايا عين الطائر التي تلقط عدستها المشهد المبتغى من الأعلى، فتلم بكافة أركانه، وتبرز حوافه ووسطه وأرجائه، في لوحة أشبه بالفن التشكيلي، ممزوجة باعتماد قاعدة الأثلاث في تكوين الكادر، وهي المحبذة في التصوير النهاري الخارجي، مع خلطة متفاوتة بين ثلثي سماء وثلث أرض، أو ثلث سماء وثلثي أرض، وذلك تبعاً لضبابية السماء، واكتنازها بالغيوم، فالأحداث تشي أنها تجري في فصل الخريف، حيث المزاجية المناخية، والتي تعبر عن ذاتها بأنماط شتى، دفء وصفاء ونور دري، أو سحب وصفرة ووابل منسكب، وكلتا اللوحتين ألم بهما برقاوي منذ الحلقات الأولى، إذ عرض مشاهد الإشراق بإشارات باعثة على الأمل، وقدم لقطات الانهمار بعلامات دالة على الخير.
وكأدب الديستوبيا، الذي يبني سرديته على ركيزة مهترئة، تقترب أحياناً من الكوميديا على سبيل السخرية، بدأت صيرورة العمل مع الظهور المباغت للحمار، الذي تسبب في انقلاب السيارة، ثم تراكبت بواكير الحكاية في صياغة منطقية معقولة، وتسارعت أحداثها تباعاً لتجبر البطل على ارتداء عباءة الاحتيال، وانتحال شخصية (سليم العادل)، وبذلك انطلق العمل من مقدمة منطقية هامة، مفادها أن سطوة رجال الدين تقود البسطاء نحو الغيبيات، فلرجل الدين نفوذ وفاعلية، وحديثه سلاح خارق يفوق بأس عتاد الحرب.
أما الحدوتة التي تراشقتها ألسن المتابعين منذ اللحظات الأولى موجهة أسهم الاتهام إلى كونها حكاية مسروقة من الفيلم الايراني (السحلية)، فالواقع يؤكد بطلان تلك الادعاءات، إذ انطلقت التيمة من احتفاء الأهالي برجل دخل قريتهم على حين غرة، ظناً منهم أنه أحد حفدة الأولياء ممن هاجروا خارج البلاد، فتمجهروا حوله، وهتفوا باسمه، وتلك الفكرة ليست محتكرة لدى شعب من الشعوب، فداخل النسيج المجتمعي على الدوام، هناك بسطاء يقدسون فئات معينة من البشر، ويتضرعون أمامهم، باعتبارهم أصحاب كرامات عند الخالق، ويمشون وراءهم، ويأتمرون بأمرهم.
وإذا ما كان خط النظام السابق هو موضة دارجة في أعمال الموسم، فـ (مولانا) لم يعف من تلك الموجة، فالصراعات بين رجالات وزارتي الدفاع والداخلية جلية دوماً، في محاولة لتعويم ضباط الشرطة، وتبييض صور البعض منهم، كما نال الجيش حصته من التلميع، فهو الذي يحترم كبار السن، ويرضخ لكلمتهم، وفي ذلك مزاودة أخلاقية على أفراد العسكر، الذين لا يترددون برهة عن إذلال الجميع، كما استخدمت أقوال حافظ الأسد وصور الابن على جدران الثكنة، مع تسليط الضوء على شناعة أفاعيل الجيش، واستغلالهم الدراويش، والكشف عن سياسة النهب والسلب التي تبنوها، وبرزت مصطلحات خاصة بتوصيف النظام لأطراف الثورة، كمندسين وارهابيين.
ولدى التركيز على" هيرو" الحكاية، (تيم حسن)، فقد بدا كتمليذ مجتهد، جلس طيلة العام في زاويته الخاصة، يدرس يحفظ ويذاكر، ويهرب من الأضواء التي تفشي بشكل أو بٱخر أسرار لعبته، وعند امتحان الأداء، أبدع وأدهش، وبدا قريباً وبعيداً في ذات الٱونة، فالمشاهد تاه بين اعتبار البطل رجلاً واضحاً بسيطاً، أو عميقاً معقداً، فجابر هو المجرم والضحية، والظالم والعادل، والشجاع والهارب، شخصية تعج بتناقضات ليست بالهينة، يؤم المصلين، وهو الرجل الذي ربما لم يصل يوماً، يعظ فيقنع، وهو بأمس الحاجة إلى النصيحة.
وبالانتقال إلى الملفوظ الكلامي، فالتنوع سمته الغالبة، واعتمد الحوار الدرامي على عناصر البساطة والخفة وعد المفردات عداً، فالبناء اللفظي محبوك بدقة، إذ يخلو من الحشو، ولغة القيل والقال، وكل شخصية تتحدث بلسان حالها، لدرجة أن البطل اعتمد الأداء الصامت في الحلقة الأولى، وعبر عما يختلجه من خلال تردده، ارتباكه، نظراته، كما نجح الفنان (وسيم قزق/ مشمش) في تقديم شخصية بلهاء، أدواتها تضم لغة غير لفظية، مع تمتمات قصيرة تفي بالغرض، وتطوي تحتها صندوقاً أسوداً.
أما عن التعليقات الكثيرة حول مشكلة نطق حرف (الجيم) عند (جابر)، والتي نفت أغلبها وجود مثل تلك المشكلة من الناحية العضوية، فلابد من دحض تلك الانتقادات، فاللثغة من معوقات الإلقاء، وهي تغيير مخرج الحرف واستبداله بمخرج ٱخر، غير أن من يغير مخرج الجيم غالباً ما يبدل مخرج الشين أيضاًً، لأن الجيم والشين يخرجان من وسط اللسان مع ما يحاذيه من غار الحنك الأعلى، وتلك من أعراض اللسان، لكنها تصيب الأطفال على الأغلب، وهذا مالم ينتبه إليه صناع العمل، فقد أردوا زرع الابتسامة من جراء عملية استبدال الأحرف التي قد تنتج ألفاظاً موحية.
وعن اللوازم الكلامية المرافقة للظواهر الصوتية، والمتجسدة بالسباب والشتائم المقولبة بإطارات الضحك والتقسيم الكلامي، والترميز الموارب، فهي لعبة (تيم) سنوياً، وغايتها التريندية باتت مكشوفة، وهي في واقع الحال تهلهل قوة العمل، وتهوي به إلى فخ الملل، وتسول لايكات الكترونية، هي أدنى بكثير من القيمة الفعلية للبنائية الروائية.
وبالنسبة إلى الانتقادات التي طالت الأداء الصوتي لسورة الفاتحة، فهي في غير مطرحها، فـ (جابر) ليس ولياً في واقع الأمر ولا رجل دين، وقد أجبر دون قصد ليؤم المصلين، وهو بالكاد يحسن قراءة صورة الفاتحة، وعندما وجد نفسه في مأزق، لجأ إلى تقليد ما علق في ذهنه من تلاوات قرٱنية، سمعها في الجنازات التي واكبها في الشام قبل هروبة إلى العادلية، فحاول التنقل بين المقامات مقتبساً أسلوب المقرئ الشهير، عبد الباسط عبد الصمد، وهروبه إلى مط المدود الطبيعية واللازمة الكلمية والعارضة للسكون هي وسيلة ذكية، لإبانة ضلاعة الترتيل، والمراءاة بقوة الخشوع، ومحاولة فرض جو من السكينة والتأثير على المصلين، لكنه دفع الأداء إلى حافة فاضحة، ليذكر المشاهد أن جابر ليس مقرئاً متمكناً، بل محتالاً اكتسى عباءة مقدسة فضفاضة وأكبر من مقاسه.
وبالانتقال إلى عمود البطولة الٱخر، فقد شكل النجم (فارس الحلو/ العقيد) عودة محمودة لميادين الأداء، بعد أعوام من التهجير القسري، بشخصية حارب واقعها حقيقة، وتقمصها تمثيلاً، فخلع عليها هالة النجم، وجعل سطوة الموهبة تجدد كلمتها، فأظهر سيكولوجياً أبعاد العنجهية والتسلط والجبروت، وأمعن فيزيولوجياً في سكك الإيماء، فتقطيب الحاجبين سمة ملازمة، وانقلاب الشفتين إشارة مرافقة، وكل منهما يشير دلالياً إلى الشراسة الخلقية والنفور من الحشد، ففارس لا يمثل الشخصية، بل يسكنها، لا يتلون بين المشهد والٱخر، فمجرد أن يحين مشهده، يعكس هيبة في نفوس متتبعيه، وكأنه أحد أهم جنرالات العسكر.
ولابد من الإشارة إلى الأداء المعهود للنجمة (منى واصف/جورية) التي جوهرت العمل بحضورها اللافت، وأثرها الأمومي، إضافة إلى الأدوار القوية المسندة إلى (جرجس جبارة/ المختار)، و(جمال العلي/الحجي)، غير أنه يؤخذ على (برقاوي) اعتماد الشللية في أعماله، فالوجوه متكررة، وإن كانت أبلت بلاءاً حسناً في أعمال سابقة، مثل علاء الزعبي، ونانسي خوري، والفرزدق ديوب، وآخرين.
وفي دراسة العامل الإنتاجي (الملابس) فقد بدا بسيطاً عند الرجال، وعشوائياً عند النساء، مع مسحة أناقة تمتعت فيها شخصية (نور علي/شهلة)، وبرزت دقة الاختيار لدى (برقاوي) مع إسناد دور (شهلة الصغيرة) إلى طفلة قريبة الشبه من صاحبة الدور، أما عن الماكياج فقد بدا طبيعياً جداً، وخلت بعض الوجوه من لمسات التجميل كافة، كما في شخصية (نوار يوسف/أخت جابر)، وهذا يحمل أيقونا بصريا دالا على السعي لمطابقة الحقيقة، وتبيان الشخصيات على طبيعتها.
وبإيقاع تصاعدي متسارع وخاطف للأنفاس، يسير مسلسل (مولانا)، مراهناً على نجومية البطل، فشراكة الصباح وتيم وبرقاوي لم تعد مجرد تعاون، إنها مؤسسة إنتاجية تخطط كيف تبيع، وكيف تبهر، إنها علاقة ثلاثية تخلع جلدها موسمياً لتقدم عملاً لا يكرر آنفه، فيمحو الأثر القديم، ويبصم بإصبع آخر، حاجزا موقعه في المنافسة، ورافعاً سقف التحدي، بعد النجاح الأسبق في اختبار التسويق والجماهيرية من خلال الرهان على اسم نجمها (تيم حسن).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك