يعتبرها أهل تونس رمزاً نسائياً خالداً، لورعها وزهدها، وعطائها المعرفي، ومزاوجتها بين العلم والعمل عبر انخراطها في الإحسان والعمل الخيري، وقدرتها على كسر القيود الشديدة المفروضة على النساء في زمان كانت فيه المعرفة حكراً على الرجال وبعض نساء العائلات الحاكمة، ورفضها الزواج من أحد أقاربها، وتفضيلها التفرغ للعلم والعبادة، بعد أن طالتها ميول دينية روحية عميقة مع بلوغها سن الشباب، وإيثارها العزلة والتأمل، متخلية عن زينة الدنيا، رغم أن الله قد حباها بجمال لافت، حتى قيل إن الناس كانوا إذا نظروا إليها يُفتنون.
وكم كان في هذا تحدٍّ كبير للأعراف السائدة وقتها، لا سيما بالنسبة لامرأة كانت تقول في وجه الجميع: «أنا سيّدة الرجال، أنا فارسة الفرسان».
ويروى عن مسألة رفضها الزواج الحاج العربي الغربي في كتابه «مناقب السيّدة عائشة المنوبية» حكاية عجيبة يقول فيها: «كانت سيّدتي عائشة المنوبية جرى لها أمر عجيب يعتقده الصالح والجاهل، فقد نُقل أنها كانت بنت اثنتي عشرة سنة وهي تلوج في شوارع منوبة، فعرضها الخضر عليه السلام في صفة ولد صغير، وقال: يا عائشة نخطبك من عند أبيك ونأخذك بالسيف.
أنت منزلة في زمامي منذ ثلاثة آلاف سنة، فنهرت في وجهه، ومشت لأبيها، وقالت له: يا أبتِ عرضني رجل، وقال لي كذا وكذا، وأنا خفت منه، وهو قال لي نأخذك بالسيف.
فإذا بعمها داخل في الباب فقال له أبوها: اعزم خذ امرأة ابنك، ألم تعلم أن هذا الزمان فاسد؟ ! وأنا والله خائف عليها من عوائق الزمان.
وكانت السيّدة عائشة واقفة فالتفتت إلى ابن عمها، وقالت له: أنت تحب أن تأخذني، إن شاء الله تموت غداً عند الضحى.
فضحك الناس منها، فلمّا كان نصف الليل أعطاه الله وجعاً على سرّته، فبقي يطارده حتى الضحى، ومات رحمه الله».
هل كان هذا فقط هو ما دعاك إلى القول بأنها كسرت القيود الاجتماعية؟ سأل سرحان، فابتسم عرفان وأجابه:
ليس هذا فقط، إنما اعتيادها الخروج إلى الشارع مكشوفة الرأس، والتحدث في العابرين، حتى قيل عنها «تخاطب الرجال ويخاطبونها، وليس لها زوج»، كما اعتادت الذهاب إلى المساجد، والوعظ في المصلين ومرتادي حلقات الذكر، ومناقشة أهل العلم، والتصدي للمحافظين منهم، الذين لم يرق لهم أن تُحدث امرأة الناس في شؤون دينهم، وكان في مقدمتهم أبوالقاسم محمد بن الجرّاد، الذي طالب برجمها، فأوقعه تصديه السافر لها في حكم بالسجن خلال مجلس الأمير أبي زكرياء الحفصي، الذي كان من المقتنعين بكلام المنوبية ومسلكها، لولا تدخل الأعيان من أجل الصفح عنه.
ومن أين استقت عائشة ما تعظ به الناس؟نشأت في بيت متدين، فهي بنت الشيخ أبي موسى عمران بن الحاج سليمان المنوبي، الذي اعتنى بتعليمها وتهذيبها، فأحسنت حفظ القرآن الكريم، وانخرطت في حلقات العلم والذكر، والتحقت بمدرسة الزاوية التي لم يكن دخول النساء إليها محظوراً، وفيها تتلمذت على يد كبار المتصوفة في زمانها، على رأسهم أبوالحسن الشاذلي، وأبوسعيد الباجي، وأبوالغيث القشاش.
تعلمت من هؤلاء كيف تكون العبادة لله خالصة، ما يظهر في ردها على من يسألونها عن سبب انقطاعها أياماً عن الذكر: «لا خير في ذكر اللسان ما لم يكن القلب حاضراً».
وتدرجت في التصوف حتى ساوت أساتذتها، وكان الناس يأتون جماعات للاستماع إلى النقاش الذي تجريه مع أستاذها أبي الحسن الشاذلي.
وحين قرر الأخير السفر إلى مصر، أعلنها قطباً صوفياً، وسلّمها ملابسه وخاتمه في مشهد مهيب، وقال لها: «أنا أوليتك طريقتي»، ومن يومها راحت تقول: «أنا شاذلية وقطبة أقراني».
رائع أن ينتصر الحاكم لامرأة، لا سيما في ذلك الزمن البعيد؟صحيح، لكن ذلك ما كان له أن يكون لولا أن عائشة المنوبية كانت على قدر من العلم والورع، ولولا أن الناس أحبوها والتفوا حولها، ولم يكن يرضيهم أن يتم التضييق عليها، أو إهانتها.
لا يمكن إنكار أن علم عائشة قد خلق لها في النفوس مهابة، وجعل ورعها لها في القلوب محبة، لكن ما كانت تفعله للفقراء زاد من كل هذا، إذ كانت تكرم المساكين والمحتاجين، حتى قيل إنها كانت إذا وجدت درهماً واحداً لم تتصدق به تقول: «الليلة عبادتي ناقصة».
في الوقت نفسه لم تكن راغبة أبداً في أن تحتفظ بشيء مما يُهدى إليها لتشتري به طعاماً أو سكناً، إذ أقامت في بيت بسيط بإحدى ضواحي قرية منوبة خلف محلة القصبة، وبالقرب من سوق تباع فيه الخراف وأعلافها.
وقد بلغت ثقة الناس في المنوبية حداً فائقاً، حتى قيل إنهم رضوا بها مفاوضاً للإيطاليين، الذين كانت لهم في هذا الزمن تجارة مع أهل تونس، لتحرير عبيد تونسيين لدى تجار من إيطاليا.
ويحكي الناس أنها كانت تمتلك قدرة فائقة على علاج المرضى، ويراها مريدوها سيدة «أحبّها الله واختارها واصطفاها وزيّنها وسقاها بيده وجعلها زينة الأولياء».
يبدو أنها كانت تحوز مالاً وفيراً.
أبداً، فقد ولدت لأسرة فقيرة، وكانت تتعيش من غزل الصوف، لكن الموسرين، ومنهم علية القوم المتحلقون حول الأمير الحفصي أبي محمد عبدالواحد، كانوا يغدقون عليها، فتدفع بما يأتيها إلى الفقراء.
وماذا عن حال تصوفها؟ سأل سرحان.
كانت لا تفارق التعبد، هائمة ثملة بالذكر لا بالخمر، حتى إنها كانت تقول: «أنا سكرانة طول حياتي وفي مماتي، وفي قبري إذا سألني الملكان يجداني هائمة، وإذا لقيت ربي ألقاه سكرانة».
ويقال إنها ختمت القرآن طيلة حياتها 1620 مرة، وكان القريبون منها يرونها من «أهل التصريف في الكون»، و«أهل الغيب والبيان»، وقال عنها محمد الأروى إمام جامع الصفصافة: «ظاهرها جنون وباطنها فنون، وقد رأيت لها خوارق، وهي من أكابر أولياء الله».
سمعت أن هناك من لا تروق لهم شطحاتها.
رآها الفقهاء مجنونة لاختلاطها بالرجال، وأنكروا عليها قولها «أتاني ميكائيل والخضر وفي أيديهما بوقال مملوء من الجنة وقالوا لي: اشربي يا عائشة يا منوبية، فشربت في تلك الشربة العلم والحلم واليقين والخشوع والتواضع والبركة والحنانة، والعفة والصيانة»، كما ينكرون ما يردده مريدوها عن كراماتها التي يقولون إنها بلغت الثمانين كرامة، ومنها أنها «كانت في بطن أمها وهي حامل، فخرجت لقضاء بعض حوائجها، وإذا بأسد واقف في الطريق فخافت منه، فإذا بعائشة تكلمت في بطن أمها، وقالت لها: لا تخافي يا أماه، أنت محفوظة بحفظ الله».
عاشت عائشة المنوبية، واسمها الحقيقي سعيدة، 76 عاماً امتدت من 1190 إلى 1266، وماتت في عهد السلطان المنتصر بن أبي زكرياء الحفصي، ويقال إنها راحت تتلو وهي تحتضر: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ»، وحضر جنازتها جموع غفيرة، يتقدمهم مشايخ وعلماء هذا العصر وأعيان الحفصيين.
وقام الناس ببناء زاوية لها تحولت إلى مزار يقصدونه لنيل البركة، حتى قيل إن المرء يُنصح العاصي قائلاً له: «امشِ زُر قبر سيدتي عائشة المنوبية لعل الله يتوب عليك».
وحظيت زاويتها هذه بمكانة عالية في تاريخ تونس وتراثها، فيما كُتبت عنها العديد من الدراسات والكتب التاريخية، إذ تناول سيرتها عشرة مؤرخين، وظهر الكثير عنها في أعمال فنية، سواء كانت أناشيد وابتهالات أو أفلاماً سينمائية، لكن كل هذا لم يرق للسلفيين الذين ناصبوها العداء حتى بعد موتها، فأقدموا بعد الثورة التونسية 2011 على حرق ضريحها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك