في ذلك الحين كان الكاتب المسرحي الإنجليزي روبرت بولت قد بنى شهرة سينمائية كبيرة بفضل ما لا يقل عن ثلاثة سيناريوهات سينمائية لثلاثة أفلام ضخمة الإنتاج، لكنها مع ذلك عرفت نجاحات كبيرة قد تليق حتى بالسينما النخبوية في أحسن حالاتها إضافة إلى انتصاراتها الجماهيرية المذهلة.
فمن فيلم" لورانس العرب" المأخوذ عن نص كتبه بنفسه بناءً على طلب من المخرج ديفيد لين، إلى" ابنة رايان" الفيلم الإيرلندي للمخرج نفسه، مروراً بالسيناريو الذي أفلم فيه بولت رواية بوريس باسترناك الكبرى" دكتور جيفاغو" من بطولة عمر الشريف وجولي كريستي، باتت مكانة بولت في الكتابة السينمائية التاريخية، لا تضاهى.
ومن هنا كان من الطبيعي لكثر أن يتوقعوا للسيناريو الذي كتبه بنفسه لمسرحيته الخاصة" رجل لكل العصور"، أن يسفر عن فيلم كبير وليس بمعنى الفخامة التاريخية والإنتاجية فحسب، بل بمعنى التطرق إلى واحد من المواضيع الأكثر جدية في مجال السينما التاريخية: العلاقة بين الفكر والسلطة.
ومن خلال ذلك، بالطبع، تتضح العلاقة بين السينما نفسها والفلسفة، غير أن ذلك لم يتحقق.
بل إن الفيلم أسفر عن واحد من ضروب الفشل الأكثر ظلماً في تاريخ الفن السابع.
ولم يكن من الغريب أن ينكفئ بولت من بعد ذلك الفيلم ويبدأ حضوره السينمائي بالتلاشي.
ولكن لم يكن من الغريب أيضاً، أن ينشغل كثر من النقاد في البحث عن أسباب ذلك الإخفاق، غير المتوقع.
ولم يكون قلةً أولئك المعلقون الذين أعادوا السبب إلى المخرج فرد زينمان الذي حقق الفيلم، على عكس ما كان من نصيب الأفلام الثلاثة السابقة التي أخذت عن نصوص لبولت والتي كانت كلها من إخراج ديفيد لين.
فهل معنى هذا أن لين كان، كمخرج، أكثر أهمية وسينمائية من زينمان؟كان يمكن للإجابة عن هذا السؤال أن تبدو واضحة لو أن فيلم زينمان بدا سينمائياً أكثر نخبوية من أفلام لين، غير أن من الصعب قول هذا.
فديفيد لين، وبمعنى من المعاني، كان أيضاً مبدعاً صاحب فن كبير في مجال العمل السينمائي، يقترب إلى حد كبير من أرفع مستويات هذا الفن.
صحيح أنه في الظاهر كان يبدو أقل أيديولوجية من زينمان الذي كان لا يخفي" يسارية" سينماه وانتماءها إلى نفس ذلك الفكر الذي حاربه السيناتور ماكارثي ومعاونوه من خلال لجنة النشاطات المناوئة لأميركا، غير أن لين في المقابل ولكونه إنجليزياً شكسبيرياً إلى حد كبير، كان يحسب للجمهور حساباً كبيراً ويدرك، على طريقة هتشكوك على سبيل المثال، أن جزءاً من الإخراج السينمائي ينبغي أن يتوجه إلى الجمهور، وهو ما طبقه في سينماه فعاد على تلك السينما بالنجاحات المحسوبة.
أما زينمان فإنه في المقابل اشتغل على الطريقة الهوليوودية التقليدية التي تحسب أن هذا المشروع للنخبة وذاك للجمهور العريض.
ومن هنا بدت سينماه انتقائية" مفروزة" سلفاً.
وفي هذا الفرز كان من نصيب" رجل لكل العصور"، وعلى رغم ضخامته الإنتاجية، أن يبدو وكأنه عمل نخبوي يفتقر أول ما يفتقر إلى النجوم الكبار أو حتى إلى وجوه يمكن أن تشتغل عليها العلاقات العامة لتفبركها كما كانت الحال في ثلاثية لين.
غير أن هذا البعد كان هامشياً على أية حال، فالأهم أن زينمان حين اشتغل على فيلمه هذا، تجاهل تماماً كونه في الأصل مسرحية فكرية الطابع كتبها روبرت بولت للخشبة وليس للسينما، وذلك قبل اشتغاله على" لورانس" و" جيفاغو" و" ابنة رايان".
وحتى إن صرفنا النظر هنا عن واقع أن تلك الأعمال الثلاثة التي نشير إليها أتت مأخوذة أصلاً عن أعمال كانت قد حققت نجاحات جماهيرية ما قبل سينمائية بحيث إن كلاً منها كان له حضوره في ذاكرة جمهور عريض يتشوق الآن للتعرف عليه في صور متحركة، يبقى لدينا أن زينمان الذي اعتمد على ارتباط اسم روبرت بولت بتلك النجاحات الثلاثة، لم يدرك أن بولت ككاتب مسرحي لم يكن كافياً وحده لضخ مشروع سينمائي كبير بعناصر جاذبة.
ففي النهاية نعرف أن الموضوع الذي يدور" رجل لكل العصور" حوله، معروف حتى بالنسبة إلى طلاب الصفوف الثانوية وحواراته محفوظة غيباً، وهو موضوع ديني فلسفي يقوم على الصراع بين الصديقين السابقين، الملك هنري الثامن والمفكر توماس مور.
ونعرف طبعاً أن الصراع يتعلق بخيبة أمل الملك من الفيلسوف، إذ رفض هذا أن يدعمه لدى بابا روما لكي يُطلِّق زوجته كاترين أراغون ويتزوج بدلاً منها عشيقته آن بولين، ذلك الزواج المحرم أصلاً كنسياً.
بمقدار تحريم كنيسة روما لزواج الملك بامرأة ثانية.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ومن هنا انطلق الصراع الذي كان لا يمكن له إلا أن يكون حوارياً ينفع للظهور على خشبة مسرحية محدودة في عدد الحضور وفي الأحداث ليحل بدلاً من ذلك جملة حوارات عقلانية فكرية سجالية أين منها الحوارات المدهشة التي اشتغل عليها بولت سواء انطلاقاً من مذكرات لورانس، أو من رواية باسترناك، أو من مأساة المرأة العاشقة في" ابنة رايان".
في" رجل لكل العصور"، لا شيء من هذا ولا أساطير تبنى من حوله.
كل ما في الأمر أن الملك المزواج انتهى به الأمر إلى أن يأمر بإعدام صديقه المفكر، لأن هذا تمسك بموقفه المبدئي المجاري لموقف كنيسة روما والبابا، تمسكاً معروفاً سلفاً ولا يحمل أية مفاجأة في مرحلته الأخيرة، إذ لم يكن أحد يتوقع أن يتمكن توماس مور، حتى لو أراد، أن يؤثر في موقف الكنيسة فحل غضب هنري الثامن عليه وأعدمه من دون رحمة.
غير أن هذا الواقع لا يحول من دون النظر بإكبار ما، إلى هذا الفيلم، الذي سيحصل عام عرضه (1966) على ما لا يقل عن سبعة جوائز أوسكار، وسيقول كثر حينها إنها أتت تكريمية لمكانة المخرج في تاريخ السينما - أي ليس في حاضرها - أو لمكانة الكاتب كمبدع في مجال الربط بين السينما والتاريخ، وكذلك لعدد من ممثلين شكسبيريين، كانوا، يوم اشتغلوا على ذلك الفيلم، في طريقهم لسلوك درب النجومية كممثلين سينمائيين بعد جهودهم الكبيرة في مجال العمل المسرحي أو ما يقارب ذلك، من أورسون ويلز إلى فانيسا ريدغريف ولكن بدءاً ببول سكوفيلد، وسوزان يورك الآتين جميعاً من زهو المسرح الشكسبيري، علماً أن التقديم الأول للمسرحية، قبل نصف دزينة من الأعوام التي سبقت ظهور الفيلم، كان على خشبة غلوب نفسها وعبر ممثلين مر معظمهم على خشبة الأولدفيك الشكسبيرية قبل أن يصبحوا نجوماً كباراً لاحقاً.
والحقيقة، أن ما يبقى لنقوله حول هذا الفيلم، الذي كثيراً ما يبدو لنا اليوم منسياً، مقارنة بالأفلام الأخرى التي تحمل توقيع روبرت بولت، أنه فيلم كبير لكنه يأتي دائماً ليقول لنا إن عناصر النجاح لا يكفيها أن يؤتى بكاتب كبير أو نص بالغ الأهمية، أو حتى ممثلين مبدعين إلى حد الإفراط أحياناً، للاستفادة من كونهم نجحوا في مناسبات سابقة، بل يتعلق الأمر بخلطة شديدة الدقة والتوازن تتلاقى فيها عناصر لا تعد ولا تحصى، لتصنع معاً ذلك الكون السينمائي الذي يعرف كيف يجعل من النجاح حليفاً نافعاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك