دور كبير ومهم قام به خطاطو الصحف في المسيرة المباركة لكتابة المصحف الشريف في العصر الحديث.
وذلك منذ أن كانت العناوين الرئيسية والمانشيتات وعناوين موضوعات الصفحات الاولى للصحف الكبرى يكتبها كبار الخطاطين وكانت المؤسسات الصحفية الكبرى تتنافس على استقطاب أصحاب الخطوط المميزة ومن يتمتعون بملكات الابداع في كتابة الخط العربي.
وكان في الجمهورية شيخ الخطاطين محمود إبراهيم سلامة مساعد مدير التحرير وكان مختصا بالمانشيت ويساعده تسعة خطاطين للصفحات الأخرى.
أما الأهرام فكان بها ثلاثة خطاطين يتبعون ثلاث ديانات مسلم ومسيحي ويهودي.
والاخبار كان بها الفنان حمدي السخيلي.
وفق تصريحات للخطاط محمد إبراهيم في حوار نشرته الاهرام.
والحقيقة أن هذه ليست إحصائية دقيقة فالصحف كان بها عدد أكبر من الخطاطين الكبار يزداد عددهم ويقل أحيانا وفقا لعوامل كثيرة منها سفر بعضهم للعمل في الصحف العربية والمؤسسات الأخرى المهتمة بالخط العربي أو بسبب كبر السن لبعضهم.
كما أن الصحف الكبرى استعانت بعدد اكبر من الخطاطين في المكاتب الفنية لتصميم اللوحات والاعلانات المختلفة سواء في الصحيفة او في الشوارع وحتى للتلفزيون والسينما.
عدد من هؤلاء برعوا في فنون الكتابة بالخط العربي وبعضهم وصل الى العالمية وحصد جوائز راقية.
سواء بلوحاتهم وخطوطهم الانيقة المبهرة او بكتابة المصحف الشريف.
واشتهروا بذلك.
في مقدمة هؤلاء الفنان محمود إبراهيم سلامة المولود في غرة شعبان 1337 هـ / اول مايو 1919م حتى وافته المنية في 16 محرم 1439 هـ / 6 أكتوبر 2017م).
وعلى مدى ما يقرب من قرن كامل الا ثلاث سنوات كانت حياته مسيرة زاخرة بالعطاء مع الخط العربي كللها بأن شرف بكتابة المصحف ست مرات كما تميز بانه الخطاط المصري الوحيد الذي كتب المصحف الشريف بالخط الثلث.
وحاز بجدارة لقب شيخ الخطاطين.
المسيرة بدأت من قرية المسلمية حيث مولده وهي تابعة للزقازيق بالشرقية.
تلقى تعليمه الأول في كتاب القرية ثم التحق عام 1936م بمدرسة تحسين الخطوط الملكية ليتخرج منها ويكون الأول على دفعته عام 1939م.
ثم حصل على دبلومة التخصص في الزخرفة الإسلامية والتذهيب عام 1941م التحق بكلية التجارة جامعة القاهرة وتخرج عام 1952م.
تعرف على الأستاذ جلال الدين الحماصي وعمل معه مسئولاً عن القسم الفني بجريدة الكتلة ثم الزمان عام 1946م.
وانتقل للعمل بمجلة التحرير عام 1953م ثم بجريدة الجمهورية عام 1954م ثم جريدة الشعب عام 1956 ثم عاد إلى الجمهورية بعد دمج جريدة الشعب بها.
والتحق بنقابة الصحافيين عام 1955م وتدرج بالعمل من مسئول قسم الخط بجريدة الجمهورية إلى نائب مدير تحرير عند الإحالة إلى المعاش عام 1979م.
الرحلة مع كتابة المصحف بدأت بعد السفر والاعارة الى ليبيا وكان ينطلق من قاعدة راسخة وضعها لنفسه وبنفسه وهي ان اتقان فن الخط للآيات القرآنية عبادة من طراز رفيع وفريد فضلا عن أن العمل الجيد عبادة خالصة لوجه الله.
في ليبيا كان يعمل بمجلة الأمل وفوجئ بخطاب الى رئيس التحرير من أمانة العدل بالجماهيرية يطلب أن يسمح له بكتابة المصحف للأمانة فى غير أوقات العمل.
وبالفعل انتهي من كتابته فى البيت خلال سنة ونصف.
يحكي بنفسه عن أول مشكلة أو خطأ وقع فيه عند كتابة المصحف وهو انه ضبط التشكيلة بالطريقة المصرية أي على رواية حفص السائدة في مصر وبعد عودته للقاهرة علم أن الجهات الدينية الليبية وجدت صعوبة فى قراءة الضبط المصري فكلفوا خطاطا ليبيا لتصحيحه على طريقتهم.
يقول وعندما علمت تمنيت لو أستطيع الحصول على أصول المصحف لتصحيحه فى أيام!
المصحف الثاني كتبه شيخ الخطاطين بعدما عاد إلى مصر والتقى الراحل محمد المعلم صاحب دار الشروق وعندما راى نماذج من المصحف الأول طلب منه كتابة مصحف باسم الدار برواية حفص عن عاصم فكتبه فى حوالى عام ونصف بطريقة توفر فى عدد الصفحات وتم زخرفته وذلك فى عام 1985 ولم تر النسخة النور بعد وفاة المعلم رغم أنها أجيزت من الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية.
ولا تزال الشروق تحتفظ بنسخة إسكان من المصحف بعد أن طلب إبراهيم المعلم من الفنان محمود إبراهيم أن يسترد النسخة الاصلية للحفاظ عليها كما اخبرني تلميذه الفنان محمد حسن عطا وهو من خطاطي المصحف.
المصحف الثالث كتب بعد أن طلبت منه دار الهدى بالجزائر كتابة مصحف برواية ورش فأنجزه وسلمه لهم فى عام 2003 قاموا بطباعته وأهدوه نسخة منه.
أما المصحف الرابع فكتبه بطريقة قالون لدار الآفاق بالجزائر الشقيقة عام 1992م.
المصحف الخامس كان من نصيب ليبيا عندما زار وفد ليبى معرض القاهرة للكتاب واتفقوا معه على أن يكتب مصحفا برواية قالون وبطريقة التشكيل التى اعتادوا عليها وانتهى منه عام 2006.
المصحف السادس فكتبه فى يوم عيد ميلاده الثالث والتسعين بخط الثلث الجلي تاج الخطوط وأصعبها وأجملها بمقاس فريد 100سم × 70سم.
وكان يعتز بهذه النسخة كثيرا ووصفها بانها مشروع عمره فى محراب الخط وفنونه.
وقد احتفت دار الكتب والوثائق المصرية بنسخة خط الثلث واعتبرتها عملا معجزا وقامت بتصوير نسخة منها لتكون مرجعًا للأجيال الحالية والقادمة.
الفنان محمد حسن عطا أوضح أن محمود إبراهيم كتب نسختين بخط الثلث اهدى واحدة منهما للشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة.
ويشير الى مفاجأة مهمة اذ بعد وفاة شيخ الخطاطين اكتشفوا ان نسختين من المصاحف واحدة بخط النسخ والأخرى بالثلث تنقصهما ورقتان واتضح ان جهتين طلبتا عينات من النسخ للاطلاع عليها ولم ترجعهما.
وتم تكليف الفنان عطا بإعادة كتابة الصفحات وضمها الى النسخ الاصلية.
في ليبيا أيضا تعرف على المخرج العالمي مصطفى العقاد واختاره لكتابة لوحات فيلم الرسالة عام 1976م ثم فيلم عمر المختار عام 1981م.
فاز الفنان محمود إبراهيم بالعديد من الجوائز الدولية في أعوام 1990م، 1994م، 1998م في المسابقة الدولية للخط التي يقيمها مركز الأبحاث والتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية بإسطنبول" أرسيكا".
وكرمته نقابة الصحفيين في عيدها الماسي باعتباره من قدامى أعضائها عن مجمل أعماله الكثيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك