بينما تتلاطم أمواج المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط على طول 3500 كيلومتر من السواحل المغربية، لا يرى صُنّاع القرار في هذه المساحة مجرد واجهة سياحية، بل “الرافعة الكبرى” للاقتصاد الوطني.
فقد كشفت ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، عن ملامح رؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم خارطة التدبير الساحلي، محولةً إياه من موردٍ معرض للاستنزاف إلى “محرك أخضر” يساهم بـ 83% من الناتج الداخلي الخام.
الأرقام التي بسطتها بنعلي أمام اللجنة الوطنية للتدبير المندمج للساحل، تكشف حقائق مذهلة: الساحل ليس مجرد جغرافيا، بل هو “بيت” لأكثر من نصف سكان المملكة، وهو الحاضن الأساسي لقطاعات حيوية تمتد من الصيد البحري والطاقات المتجددة إلى الموانئ العملاقة.
لكن المفاجأة الكبرى تكمن في الطموح العلمي للوزارة؛ إذ تؤكد الدراسات أن توسيع نطاق المناطق البحرية المحمية لتصل إلى 30%، ليس إجراءً بيئياً فحسب، بل هو استثمار اقتصادي سيؤدي إلى رفع الكتلة الحيوية للأسماك بنسبة قد تصل إلى 500%.
إنها المعادلة التي يسعى المغرب لتحقيقها: “استدامة الموارد تساوي يقيناً أكبر للمستثمرين”.
”نهاية زمن الفوضى”.
ترسانة قانونية جديدة.
لا تكتفي الوزارة بالوعود؛ فالتحول نحو “الاقتصاد الأزرق” بدأ يتخذ أبعاداً قانونية صارمة.
ففي أروقة الأمانة العامة للحكومة، توجد مشاريع مراسيم مرتقبة تهدف إلى وضع حد للاستغلال العشوائي للرمال وتنظيم المقذوفات السائلة.
بنعلي أوضحت أن المغرب يتجه نحو “الحكامة الرقمية والميدانية”، حيث يُعد سجل التتبع ونظام الإتاوات أدوات جديدة لضمان أن كل قطرة ماء أو حبة رمل تُستغل في الساحل، تخضع لمعايير صارمة توازن بين طموح التنمية وحماية التوازن البيئي.
المغرب والأطلسي: من الجغرافيا إلى الجيوسياسة.
لا يمكن قراءة هذه الاستراتيجية بمعزل عن “المبادرة الأطلسية” التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس.
فالموانئ، وعلى رأسها ميناء الداخلة الأطلسي، لم تعد مجرد مرافق لوجستية، بل أصبحت بوابات قارية ومحطات لتثمين الطاقة الخضراء والمنتجات التعدينية عبر ممر “الأصل والعبور والتصديق” (OTC).
هنا، تلتقي الاستدامة البيئية بالجيوسياسة؛ فالمغرب لا يخطط للازدهار بمفرده، بل يجعل من ساحله “جسرًا” لربط دول الساحل الأفريقي بالعالم، في رؤية مندمجة منخفضة الكربون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك