الرباط – «القدس العربي»: مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في المغرب يوم 23 أيلول/ سبتمبر المقبل، تتزايد النقاشات ويحتدم الجدل حول كل موضوع يهم الاستحقاقات المقبلة، خاصة ما يتعلق بأداء الأحزاب السياسية وحصيلة الحكومة الحالية التي يقودها التحالف الثلاثي «التجمع الوطني للأحرار» و»الأصالة والمعاصرة» و»الاستقلال».
ويعد الغلاء، من وجهة نظر شريحة واسعة من المواطنين، أبرز عنوان لهذه الحصيلة، لا سيما لدى الطبقات المتوسطة والفقيرة والهشة، وهو أحد أهم محاور النقاشات المتداولة في الفضاءات العامة والخاصة، كما على منصات التواصل الاجتماعي.
ويبدو أن جزءاً مهماً من النقاش العمومي يتقاطع عند التشكيك في قدرة الانتخابات على إحداث التغيير المنشود، غير أن الآراء تتباين حول كيفية التعامل مع هذا الواقع، فبينما يتمسك البعض بخيار المشاركة، ترتفع بين الفينة والأخرى أصوات تدعو إلى المقاطعة.
والثابت أنه عند كل محطة انتخابية في المسار الديمقراطي المغربي تبرز مثل هذه الدعوات التي تميل إلى «العدمية»، كما يصفها بعض المراقبين.
ونظرًا للحساسية التي تطبع المرحلة، فإن تصريحات المسؤولين الحزبيين كثيراً ما تثير السجال، ومن بينها تلك التي صدرت في وقت سابق عن جمال العسري، الأمين العام للحزب «الاشتراكي الموحد».
وجاءت تصريحات القيادي اليساري منسجمة مع موقعه داخل المعارضة، حين اعتبر أن المقاطعة في المغرب ليست مجرد عزوف انتخابي، بل «مقاطعة سياسية» لها دوافعها ومبرراتها، معبّرًا عن تخوفه من ظروف الاستحقاقات المقبلة.
وكان هذا التصريح كافياً لإثارة نقاش إعلامي واسع، لأن العسري لم يكن يتحدث عن أفراد معزولين بقدر ما كان يسلط الضوء على ظاهرة سياسية تستحق التوقف عندها.
إن الجدل حول مقاطعة الانتخابات في المغرب لا يتعلق فقط بنسبة المشاركة، بل أصبح نقاشاً أوسع حول الثقة في العمل السياسي نفسه.
ومع اقتراب الاستحقاق، برزت على مواقع التواصل الاجتماعي وفي بعض الأوساط السياسية والمدنية دعوات إلى المقاطعة، يقابلها تشبث واضح من الأحزاب السياسية بخيار المشاركة باعتباره السبيل الوحيد للتأثير في القرار العمومي.
ومع ذلك، تبقى هذه الدعوات محدودة ولا تتبناها هيئات حزبية كبرى أو تنظيمات مدنية وحقوقية معروفة، بل إن المشهد الحزبي يكاد يعرف إجماعاً على خوض الانتخابات المقبلة، سواء داخل مكونات الأغلبية أو في صفوف المعارضة.
ويبرز هذا التوجه بوضوح داخل أحزاب المعارضة نفسها، بما فيها حزب «العدالة والتنمية» الذي كان أحد أكبر المتضررين في انتخابات 2021، حيث تواصل قيادته الدفاع عن خيار المشاركة رغم بعض المواقف الفردية التي دعت في مناسبات سابقة إلى مقاطعة بعض المشاورات المرتبطة بالانتخابات.
ودعم الحزب الإسلامي للعملية الانتخابية هو الموقف نفسه الذي تعبر عنه باقي مكونات المعارضة، مثل «التقدم والاشتراكية» و»الاتحاد الاشتراكي» و»الحركة الشعبية» و«فيدرالية اليسار الديمقراطي».
أما حزب «التجمع الوطني للأحرار»، وبحكم أنه المعني الأول بحصيلة الحكومة باعتباره قائد تحالف الأغلبية، فيرى أن دعوات المقاطعة لا تقدّم حلولاً عملية للمشكلات التي يشتكي منها المواطنون، وأن الإصلاح يمر عبر التنافس الانتخابي والمؤسسات المنتخبة.
وتستند قيادات الحزب في ردها إلى فكرة أن ترك صناديق الاقتراع فارغة لا يغير موازين القوى، بل يفسح المجال أمام الناخبين الأكثر تنظيماً لحسم النتائج، وهو خطاب يتقاطع مع مواقف حليفيه في الأغلبية «الأصالة والمعاصرة» و»الاستقلال».
وفي الفضاء الرقمي، تتكرر دعوات المقاطعة مستندة في الغالب إلى حجج من قبيل ضعف الثقة في الأحزاب السياسية، والاعتقاد بأن الانتخابات لا تفضي إلى تغييرات ملموسة في السياسات العمومية، والشعور بتكرار النخب نفسها من دورة إلى أخرى، إضافة إلى الحديث عن الإحساس بأن القرارات الكبرى لا تحسم دائماً داخل المؤسسات المنتخبة.
ويبقى هذا الطرح، في رأي بعض المراقبين، أقرب إلى قراءة للنقاش الشعبي منه إلى كونه موقفاً مؤسساً على معطيات ميدانية دقيقة أو استطلاعات رأي موثقة.
وفي المقابل، يؤكد المدافعون عن المشاركة على أن صناديق الاقتراع تبقى الوسيلة الوحيدة المتاحة للتأثير في موازين القوى السياسية.
ويؤكد تيار المشاركة أن المقاطعة لا تنتج بديلاً سياسياً واضحاً، كما أن انخفاض نسب المشاركة لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير السياسات العمومية، مشددين على أن الامتناع عن التصويت يمنح وزناً أكبر للكتل الانتخابية المنظمة، وأن الإصلاح التدريجي للمؤسسات يمر عبر الانخراط فيها وليس الانسحاب منها.
ومن الملاحظ أيضاً أن الجدل الحالي لا يدور داخل الصالونات الحزبية فحسب، بل يمتد بقوة إلى الفضاء الرقمي.
ففي النقاشات المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي ومنتديات المغاربة على الإنترنت، تظهر مواقف متباينة بين من يرى في المقاطعة رسالة احتجاج سياسي مشروعة، ومن يعتبرها تنازلاً مجانياً عن حق التأثير في صناعة النتائج.
والأكيد أن المعارضة المنظمة لا تدعو إلى المقاطعة، لإيمانها بأن العملية الانتخابية تظل إحدى الآليات الأساسية للتنافس الديمقراطي والتداول السياسي، حتى في ظل الانتقادات الموجهة إلى أداء المؤسسات والأحزاب.
وفي سياق النقد الشديد دون السقوط في فخ الدعوة إلى المقاطعة، تبرز تدوينة الأستاذة الجامعية والحقوقية، لطيفة البوحسيني، التي أوضحت خلفيات تدوينة سابقة لها أثارت جدلاً حول موقفها من الاستحقاقات الانتخابية، نافية أن يكون كلامها دعوة للمقاطعة.
وشددت البوحسيني على أنها تعبر عن رأيها كفرد مستقل لا ينتمي إلى أي تنظيم سياسي، وأن دافعها الأساسي هو الغيرة على الأحزاب الوطنية المناضلة، في مقابل رفضها لأحزاب الأعيان و»الأوليغارشية» التي ترى أنها أفسدت المشهد السياسي العام.
كما أقرت بصعوبة الظرفية التي تواجه الأحزاب ذات المصداقية في ظل ما وصفته بتجريف الحياة الحزبية، معتبرة أن ذلك يستدعي مساندتها لتجاوز قصور المؤسسة التشريعية في الرقابة ومحاربة الفساد.
وبخصوص موقفها الحالي، أكدت البوحسيني أنها لا تتبنى المقاطعة أو المشاركة بشكل مطلق، لأنها ترى أن المقاطعة من أجل المقاطعة لا تشكل حلاً سحرياً، كما أن المشاركة الشكلية التي تقتصر على «تنشيط المباراة» لا تقدم بدورها جواباً عن أزمة الثقة القائمة.
وترى أن أي مشاركة حقيقية ينبغي أن تحمل رهاناً سياسياً واضحاً يعيد الثقة للمواطنين ويتجاوز منطق التكيف مع الأمر الواقع.
ولتجاوز الثنائية التقليدية بين المقاطعة والمشاركة، دعت البوحسيني إلى بناء حد أدنى من التنسيق بين القوى السياسية الراغبة في إعادة المعنى السياسي للانتخابات، وتمكين المؤسسة التشريعية من القيام بدورها الفعلي بدل الاكتفاء بالأدوار الخطابية.
واختتمت الناشطة الحقوقية موقفها بالتأكيد على أن دقة المرحلة لا تحتمل المزايدات أو استمرار حالة التشتت، معتبرة أن النخب السياسية مطالبة بالارتقاء إلى مستوى انتظارات المغاربة وفئاتهم الهشة، وصناعة الفارق الحقيقي بين منطق النفوذ الاقتصادي ومنطق العمل السياسي المؤسس على البرامج والقناعات.
وخلاصة المشهد أن المقاطعة حاضرة في النقاش العمومي أكثر مما هي حاضرة في التنظيم السياسي.
فبينما تستمر أصوات متفرقة في التشكيك بجدوى المشاركة، تستعد الأحزاب المغربية، أغلبية ومعارضة، لخوض انتخابات 2026 باعتبارها محطة أساسية في تدبير التنافس السياسي، وأيضاً لكونها الرئة التي تتنفس بها الديمقراطية.
وبين هذين الموقفين، يبقى الرهان الأكبر هو قدرة الفاعلين السياسيين على استعادة ثقة المواطنين وإقناعهم بأن أصواتهم قادرة على إحداث الفرق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك