بعناية تختار فالنتينا إيفاكينا كلماتها في شرحها سبب ارتيادها مسرح البولشوي في ساحة تياترالنايا بالعاصمة الروسية موسكو، إذ تعلله برغبتها في «الهروب من المشاكل الحالية» في بلدهم المنخرط منذ أربع سنوات في حرب مع أوكرانيا.
وحال فالنتينا كحال كثر من الروس، إذ تشهد المواقع الثقافية في العاصمة إقبالا كثيفا، ويتجلى ذلك مثلا في الحشود التي تحضر الحفلات الموسيقية، بينما تعج غاليري تريتياكوف بالزوار في منتصف الأسبوع، وتذاكر معرض شاغال في متحف بوشكين نفدت عبر الإنترنت.
ولم يقتصر الأمر على أن الأنشطة لم تتراجع منذ 2022 في موسكو، التي تتركز الحياة الثقافية الروسية فيها وفي مدينة سانت بطرسبرغ، بل ارتفع عدد زوار متاحفها مثلا العام الماضي 30 %، وفقا لنائبة رئيس بلديتها ناتاليا سيرغونينا.
أما فالنتينا إيفاكينا، البالغة 45 عاما والمتخصصة في التسويق، فتفضّل حضور العروض الفنية.
وقبل أن تحضر أوبرا لـ«بروكوفييف» على مسرح البولشوي التاريخي، سبق أن شاهدت في الأيام الأخيرة عرضا لباليه تشيخوف على الخشبة الجديدة للدار الشهيرة.
وفي الأسبوع الماضي، كانت في مسرح آخر.
وتقول: «ذلك للهروب من المشاكل الحالية، في ظل تضاؤل فرص السفر إلى خارج روسيا».
- للاطلاع على العدد «536» من جريدة «الوسط».
اضغط هنا.
فبعد بدء النزاع في أوكرانيا بقرار من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في 24 فبراير 2022، ومقتل مئات الآلاف في أعنف حرب تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، انقطعت العلاقات مع الغرب، وحُجبت تطبيقات المراسلة الأجنبية أو قُيّدت، وأصبح الحصول على التأشيرات صعبا.
ويستخدم الروس التلميحات، مثل كلمة «المشاكل» و«الظروف»، إذا أرادوا لإشارة في أحاديثهم العلنية إلى السنوات الأربع الماضية.
خارج متحف بوشكين في موسكو، كان المصور فيكتور تشيلين وزوجته من المحظوظين الذين تمكنوا من الحصول على تذاكر لمعرض شاغال «بهجة الجاذبية الأرضية»، ويقول لوكالة «فرانس برس»: «كان يبدو أن ثمة أشياء قليلة لا يزال ممكنا التعلّق بها».
لكن المتاحف، بحسب وصفه، تكون «أشبه بمؤامرة صامتة، عندما يتجول المرء فيها ويكتشف أنه مُتحد مع الآخرين في نظرة الإعجاب بجمال قطعة ما».
ولم تُجِب إدارة متحف بوشكين على طلب «فرانس برس» للتعليق على نجاح معرضها لأعمال الرسام الذي وُلد وتلقى تعليمه في الإمبراطورية القيصرية، لكنه هاجر إلى فرنسا بعد بضع سنوات من ثورة 1917.
وتنتمي كل العروض والمعارض التي تُوفّرها المؤسسات الثقافية الكبرى في موسكو إلى فئة الأعمال الكلاسيكية، بينما يضطر معارضو الكرملين من الفنانين الكبار إلى التزام الصمت أو مغادرة روسيا.
ويرى عالم الاجتماع دينيس فولكوف، في حديث للوكالة الفرنسية، أن ثمة «رغبة في الحد من تدفق الأخبار السيئة، وفي اختيار المناسب منها، وحرصا على تفادي مناقشتها مع الآخرين تجنبا لخطر مواجهة رأي مخالف».
ويلاحظ فولكوف، الذي يدير مركز «ليفادا» المستقل لاستطلاعات الرأي والمصنّف «عميلا أجنبيا» في روسيا، أن التوجه السائد هو «عدم متابعة الأخبار من كثب، وعدم مناقشتها من أجل الحفاظ على الصحة النفسية والعلاقات مع الآخرين»، مرجحا أن يكون «الاهتمام المتجدد بالثقافة نابعا من ذلك».
أما فيكتور شيلين، البالغ 30 عاما، فيذكّر بأن «أمرا ضخما حدث في روسيا، نخشاه جميعا، ونتجاهله، لكننا نحاول أن نعيش ونحافظ على شيء من الحياة الطبيعية».
ويشبّه هذا الشعور بـ«وليمة في زمن الطاعون»، مستعيرا عنوان مسرحية لبوشكين كُتبت خلال وباء الكوليرا في روسيا العام 1831.
عاش فيكتور وزوجته عامين في جورجيا بعد بدء الهجوم الكاسح على أوكرانيا، قبل أن يعودا إلى سانت بطرسبرغ، حيث يترددان باستمرار على متحف الإرميتاج، ويقصدانه بالضرورة لـ«الاطلاع على أعمال فنية محددة».
أما إيرينا، مُدرّسة البيانو السابقة التي اكتفت بذكر اسمها الأول، فلا توافق على كون ارتياد الأنشطة الثقافية هروبا.
فهذه المرأة، البالغة 79 عاما، تؤكد أنها تعرف «كل ما يجري في العالم، وأين يكمن الخير والشر».
وتضيف: «نحرص على زيارة كل المعارض التي تُغذي أرواحنا وتُدخل السرور إلى قلوبنا.
أعمال شاغال زاخرة بالألوان لدرجة أنها تثير فينا الحماسة للحياة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك