تمر الساحة الوطنية المغربية بلحظة دقيقة تتقاطع فيها النوازل الإدارية مع الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والمرجعية الدينية.
فبينما يرتكز التماسك المغربي تاريخياً على وحدة المرجعية تحت إمارة المؤمنين، يكشف المشهد الراهن عن فراغ مؤسسي يسمح بظهور أصوات وتجمعات تحاول التمدد خارج اختصاصها، وصناعة شرعية موازية لا تستند إلى أي أساس دستوري أو تاريخي.
هذا الفراغ لا يظل نظرياً، بل يتحول إلى وقائع ملموسة تتجسد في نازلة “نقل الموتى” من جهة، وفي اجتماعات إسلامية موازية من جهة أخرى، وكلاهما يعكس دينامية واحدة: غياب الحسم المؤسسي يفتح الباب للمزايدات.
نازلة “نقل الموتى”: حين يتحول الإجراء الإداري إلى ساحة صراع إيديولوجي.
أثار القرار الوزاري القاضي بإزالة عبارة “الشهادتين” ووسم “نقل أموات المسلمين” من سيارات المصلحة موجة من الجدل، بعدما اعتبرت “الهيئة الديمقراطية المغربية لحقوق الإنسان” أن القرار يتعارض مع هوية الدولة كما نص عليها الدستور.
في المقابل، خرج خطاب علماني راديكالي، يمثله أحمد عصيد، ليعتبر التراجع عن القرار “دليلاً على تخلف المجتمع وتردد الدولة”.
* غياب التأطير المؤسسي الفوري يجعل المواطن عرضة لخطابات متناقضة.
* تحويل الدين إلى مادة للصراع بين تيار حركي يبحث عن شرعية موازية، وتيار علماني يريد تجريد المجال العام من رموزه.
* تراجع المؤسسة الدينية عن دورها الطبيعي في الحسم والتوجيه.
اجتماع القيادات الإسلامية: محاولة لاحتلال موقع ليس من اختصاصهم.
بالتوازي مع هذه النازلة، ظهر اجتماع لقيادات إسلامية يعلن “التصدي لاستهداف الهوية والقيم”.
هذا الاجتماع ليس حدثاً عادياً، بل مؤشر على محاولة خلق شرعية دينية بديلة، وتقديم الذات كحارس للهوية في غياب حضور مؤسسي قوي.
هذا النوع من التحركات يحمل دلالات خطيرة:
* إعلان ضمني بأن المؤسسة الدينية غائبة أو غير كافية.
* محاولة احتلال موقع إمارة المؤمنين عبر خطاب “الدفاع عن الهوية”.
* تطبيع فكرة أن المرجعية الدينية يمكن أن تُدار جماعياً، وهو أمر يتعارض مع البنية السيادية للمغرب.
إن اجتماعاً من هذا النوع ما كان ليحدث لو أن المؤسسة الدينية تحتل موقعها الطبيعي في الفضاء العمومي.
تقاطع الأضداد: عصيد والإسلام الحركي… خصمان في الظاهر، شريكان في النتيجة.
رغم التناقض الظاهري بين الإسلام الحركي والعلمانية الراديكالية، فإنهما يلتقيان في نتيجة واحدة: التعامل مع الدين كفضاء مفتوح للمزايدات، وكأن إمارة المؤمنين مجرد إطار رمزي يمكن تجاوزه.
* الإسلام الحركي يحاول تقديم نفسه كحارس للقيم.
* العلمانية الراديكالية تحاول تقديم نفسها كحارس للحداثة.
* كلاهما يتحرك لأن المؤسسة الدينية لا تملأ موقعها الطبيعي.
النتيجة هي ازدواجية خطابية تُربك الناس وتفتح الباب أمام احتقانات قد تتطور إلى فتنة رمزية.
إمارة المؤمنين: نظام حماية لا يقبل المشاركة.
في خضم هذه الفوضى، تبرز إمارة المؤمنين باعتبارها الركيزة السيادية الوحيدة القادرة على حماية الهوية المغربية من العبث.
إمارة المؤمنين ليست رمزاً، بل نظام حماية يمنع تحويل الدين إلى ساحة صراع أو مزايدة.
* مؤسسة دينية يقظة، حاضرة، ومبادرة.
* حسم سريع في النوازل التي تمس الهوية.
* قطع الطريق على كل من يحاول تمثيل الدين خارج الشرعية.
* خطاب مؤسسي واضح يحدد الحدود بين الديني والحزبي والإيديولوجي.
في أعقاب الجدل الذي طال الهوية المغربية، تلك الهوية التي يرتكز تماسكها على وحدة الدين والمرجعية الجامعة، برزت أصوات خارجة عن الإطار المؤسسي وكأنها وجدت فرصة للتدخل في مجال لا يدخل ضمن اختصاصها، في محاولة لملء فراغ لا يفترض أن يكون قائماً.
هذا التوسع غير المنضبط يُفضي إلى ازدواجية في الخطاب الديني، ويزرع الارتباك بين الناس، ويفتح المجال أمام احتقانات قد تتطور إلى فتنة إن لم يتم تطويقها بحزم وسرعة.
وتظل إمارة المؤمنين صمام الأمان لوحدة المرجعية الدينية، وأي تساهل في ضبط حدود هذا المجال يمنح غير المؤهلين مساحة للتمدد فيه، بما قد يمس بالاستقرار الرمزي للمجتمع.
إن المرحلة تقتضي وعياً يقظاً وحضوراً مؤسسياً يعيد الأمور إلى نصابها قبل أن تتسع دائرة الإرباك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك