في خطوة أثارت تساؤلات دبلوماسية واسعة، أعلن الفاتيكان قبل أيام قراره عدم المشاركة في" مجلس السلام"، في موقف يعكس حسابات دقيقة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والروحية على حد سواء، ويأتي القرار في وقت تتصاعد فيه الدعوات الدولية إلى تعزيز مسارات الحوار واحتواء النزاعات، مما يضفي على الغياب الفاتيكاني أبعاداً تتجاوز الطابع البروتوكولي.
ولم يصدر عن الكرسي الرسولي توضيح موسع في شأن خلفيات القرار، إلا أن مراقبين يرون فيه مؤشراً إلى تحفظات محتملة على آلية تشكيل المجلس أو أجندته، أو ربما رغبة في النأي بالموقف الديني عن تجاذبات سياسية قد تحد من هامش الوساطة التقليدي الذي يحرص الفاتيكان على الحفاظ عليه.
وبين قراءة تعتبر الخطوة رسالة سياسية غير مباشرة، وأخرى تضعها في إطار ثوابت الدبلوماسية الفاتيكانية القائمة على الاستقلالية والحذر، يبقى السؤال مطروحاً حول تأثير هذا الغياب في مسار المجلس ودلالاته في سياق التحركات الدولية الراهنة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).
يقول المدير التنفيذي لملتقى التأثير المدني الدكتور زياد الصائغ في مقابلة صوتية مع" اندبندنت عربية" إن قرار الفاتيكان بعدم المشاركة في" مجلس السلام" ليس تفصيلاً دبلوماسياً عابراً، بل موقف مبدئي ينسجم مع فلسفة الكرسي الرسولي في إدارة الشأن الدولي، فالكرسي الرسولي لا يدخل في أطر ملتبسة الصلاحيات أو ملتبسة المرجعية، بخاصة عندما يتعلق الأمر ببنية النظام الدولي وأدواره المؤسسة"، وتابع" من منظور السياسات العامة الرصينة، ثمة فارق جوهري بين مبادرة سياسية ظرفية ونظام مؤسسي متعدد الأطراف.
السلام المستدام لا يدار بمنطق الحملات أو المبادرات الشخصانية، بل بمنطق المؤسسات والشرعيات الدولية.
ولذلك، فإن الإحالة الضمنية إلى مركزية الأمم المتحدة في إدارة الأزمات ليست موقفاً بروتوكولياً، بل تأكيد لهندسة الحوكمة العالمية كما استقرت بعد الحرب العالمية الثانية"، وشدد على أن قرار عدم المشاركة يعبر أيضاً عن وعي عميق بطبيعة دور الفاتيكان، فالكرسي الرسولي فاعل أخلاقي قبل أن يكون فاعلاً سياسياً، قوته في وساطاته، وفي لغته الجامعة، وفي قدرته على مخاطبة الضمير الإنساني خارج اصطفافات المحاور، وعندما يرى أن إطاراً معيناً قد يفسر على أنه انحياز أو إعادة تعريف لقواعد الشرعية الدولية، فإن الامتناع يصبح خياراً مسؤولاً لا انسحاباً".
واعتبر الصائغ أن في هذا القرار اتساقاً مع مبادئ الحوكمة الرشيدة، هو وضوح المرجعية، واحترام التعددية، وعدم تسييل المفاهيم الكبرى، وفي مقدمها السلام، في سياقات سياسية ضيقة، وقال" السلام ليس منصة جديدة تضاف إلى المنصات، بل مسار طويل يتطلب شرعية جامعة، وتوافقاً دولياً، وأطراً مؤسسية واضحة المعالم، والثبات على المرجعيات الدولية القائمة مع الاستعداد الدائم للوساطة والحوار هو ما يمنح أي فاعل أخلاقي صدقيته، وفي زمن تداخل المبادرات وتكاثر العناوين يبقى الاتساق المؤسسي أعلى أشكال الشجاعة السياسية والأخلاقية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك