في الوقت الذي تعج فيه مواقع التواصل بصور الموائد الطويلة والزينة في رمضان، هناك أشخاص يقضون الشهر الكريم في عمل مستمر، يفطرون على عجل، ويؤجلون دفء العائلة نظراً لارتباط رزقهم بمهنة موسمية تلقى رواجاً خلال شهر الصوم.
في منطقة خان الخليلي، تختلط الحكايات بروائح البخور وأصوات النحاس، يواصل العمال عملهم كل مساء، تمر السنوات وتتغير الوجوه لكن وقع حياتهم يسير كما هو، فقبل أذان المغرب بدقائق، تتحول منطقة خان الخليلي لمسرح مفتوح، حيث تتدلى الفوانيس المضيئة فوق الرؤوس، ويعلو صوت الباعة وهم ينادون على بضاعتهم في سباق مع الوقت، وبينهم يقف حسين خليل، أمام محله الذي ورثه عن أبيه وجده، يراقب الساعة والزحام.
حسين ليس مجرد بائع تحف ونحاس، بل امتداد لحكاية بدأت منذ أكثر من 70 عاماً، حين افتتح جده المحل في نفس الزقاق الضيق، وظل الاسم محفوراً على اللافتة القديمة التي لم تتغير رغم تغير الزمن، يقول لـ«الوطن»: «مش بنبيع بس.
إحنا بنحافظ على اسم عيلة والمحل ده شاف جدي وأبويا، ودلوقتي شايفني وهيشوف عيالي كمان».
رمضان بالنسبة لتجار خان الخليلي ليس شهراً عادياً، فهو الموسم الذي يعوض شهوراً من الركود، والفرصة التي لا تحتمل الغياب، وعلى الرغم من أن حسين يسكن على بعد دقائق من المحل، لكنه لا يستطيع الإفطار مع أسرته، لأن وقت المغرب يمثل ساعة الذروة، حيث يتوافد الزبائن يبحثون عن هدية رمضانية وخروجة، وسياح يريدون قطعة تذكارية من قلب القاهرة.
«ماينفعش أسيب المحل في الوقت ده، لو قفلت حتى نص ساعة، ممكن زبون يمشي ومايرجعش، والموسم ده بالنسبة لنا بيشيل السنة كلها».
قالها حسين مشيراً إلى أنه يضع تمرتين وزجاجة ماء صغيرة بجوار التحف النحاسية، قبل أذان المغرب، فلا مائدة عامرة، لا أصوات أطفاله حوله، فقط مدفع الإفطار الذي يتردد صداه بين الجدران الحجرية القديمة، والعاملون معه في المحل، يصلون معاً ويتناولون الإفطار معاً دون عائلاتهم.
«بنفطر واقفين، وبعدين نرجع نشوف شغلنا والزباين مش هتستنى»، ففي الوقت الذي تجتمع فيه آلاف العائلات حول موائد الإفطار، يقف هو وأصحاب المحال والعاملون فيها في قلب الزحام لخدمة الآخرين: «طبعاً فيه أيام بنفطر كلنا سوا كما نفطر برفقة الكثيرين من جيراننا والعاملين معنا لأننا نعتبر عائلة واحدة»، لافتاً إلى أنه يعول 3 أطفال، أكبرهم في المرحلة الإعدادية وأصغرهم في الحضانة، إذ تحرص زوجته كل يوم على إرسال الطعام له مع أحد أبنائه.
وسط الزحام يشعر أحياناً بوحدة غريبة، والمفارقة أن أكثر اللحظات قسوة ليست في الهدوء، بل في الضجيج: «الناس كلها مستعجلة عشان تفطر مع أهلها، لكن رمضان هنا غير أي حتة، ويمكن مابقعدش على السفرة أول الأذان، بس بحس إن ربنا شايف تعبي، وبعدين لما أرجع البيت حتى لو متأخر، يكفيني إن العيال حواليّا»، فالأجانب يأتون خصيصاً إلى مصر في هذا الوقت من العام للاستمتاع بأجواء ومعالم القاهرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك