ثمة لحظات صغيرة في بدايات شهر رمضان المبارك قد لا يلتفت إليها الكثيرون، لكنها تكشف بجلاء طبيعة علاقتنا بكل شيء.
هي تلك اللحظة التي يوضع فيها الطعام أمامك، واليد قادرة على الإمساك به، والعادة تدفعك نحو الإشباع.
ثم تتوقف! تتوقف لأن الوقت لم يحن بعد، وتهمس لنفسك بوعي: “ليس الآن.
علينا انتظار الأذان”.
لو تأملنا هذه اللحظة في سياق عصرنا الحالي، عصر المنصات الرقمية التي أقنعتنا بأن كل رغبة تستحق استجابة فورية، سنجد أن رمضان يمنحنا فرصة ثمينة لاستعادة “المسافة” التي سعينا طوال العام لمحوها: المسافة بين ما نرغب فيه، وبين زمن الحصول عليه.
إننا لا نؤجل الطعام لأننا محرومون منه، بل لنستعيد “لذة الاستحقاق”؛ فالفورية الرقمية سلبت منا بهجة الانتظار، وأحالت حياتنا إلى سلسلة من الإشباعات الباردة التي لا تترك أثرًا في الروح، أما شهر رمضان فيعيد إلينا قيمة الأشياء عبر بوابة الحرمان المؤقت.
يعد رمضان إلينا، كل يوم، تمريناً بسيطاً وعميقاً على “تأجيل الإشباع”؛ تمرينًا يأتي ليكسر حدة ذلك التيار الجارف الذي يغمر حياتنا؛ فنحن اليوم نعيش في ظل “ثقافة الفورية” (Culture of Immediacy) التي ترسخت حتى صارت معياراً خفياً للقيمة؛ فالسرعة لم تعد مجرد ميزة تقنية، بل تحولت إلى سلوك ذهني جعلنا نؤمن أن الانتظار “خطأ تقني” يجب إصلاحه.
وتتضح المفارقة حين نؤجل الطعام؛ إذ نكتشف قدرتنا الضامرة على التريث.
هذا الضمور لم يحدث فجأة، بل كان تمريناً يومياً غير مقصود مارسته عقولنا مع كل استجابة فورية من التكنولوجيا المحيطة بنا.
إننا لا ننتظر الأذان لنأكل فحسب، بل ننتظره لنستعيد سيادتنا على رغباتنا في عالم يحاصرنا بالاستجابات الفورية، محولين الصيام إلى مساحة صمت نقتطعها بوعي لتقوية صلتنا بأنفسنا وبالله؛ إذ لا يمكننا تجاهل حقيقة أننا في سباقنا مع الزمن أصبحنا أسرع، لكننا صرنا أقل تحكماً في بوصلة حياتنا، وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا يعيد رمضان إلينا هذا الإيقاع الطبيعي بينما نعجز عنه بقية العام؟ إن التحول الأعمق في رمضان لا يحدث في المعدة، بل في “الإيقاع”؛ يهدأ ضجيج اليوم، ويخف اندفاع الوقت، لأن المجتمع بأكمله قرر ولو مؤقتاً أن يبطئ.
وهذا ما يفسر لماذا لا نجرؤ على التباطؤ إلا معاً؛ إذ يخشى الفرد وحده أن يتأخر عن الإيقاع العام، فالبطء الفردي غالباً ما يُفسر ككسل، أما حين يتغير المعيار جماعياً، يصبح البطء مقبولاً، بل متناسقاً.
وهنا يتجلى بوضوح أثر ما يسميه علم الاجتماع بـ “ضغط الامتثال للمعايير الاجتماعية”؛ تلك القوة التي تدفعنا لمجاراة إيقاع الجماعة خشية التفرد ببطءٍ يُساء فهمه.
بيد إن رمضان يأتي ليكسر هذا القيد؛ ففيه يتبدل المعيار، فيُسمح لنا بتخفيف الإيقاع والالتفات إلى “الداخل” دون شعور بالخسارة.
إن لحظة الإدراك الحقيقية ليست في الامتناع عن الطعام، بل في اكتشاف قدرتنا على “إعادة هندسة” إيقاعنا.
نحن لا نفتقر إلى الوقت، بل نفتقر إلى الجرأة على الخروج من “سباق الفورية”.
نحتاج دوماً لحدث جماعي يمنحنا “الشرعية” لنفعل ما نعرف في قرارة أنفسنا أننا بحاجة إليه: أن نبطئ، أن نؤجل، وأن نختار.
وهذا الاختيار هو جوهر ما نتدرب عليه؛ فنحن في الحقيقة لا نتدرب في رمضان على الجوع، بل نتدرب على استعادة تلك المسافة الضائعة بين الرغبة والاستجابة.
فطوال العام، اعتدنا أن تُحدد لنا لحظة الاستجابة من الخارج؛ عبر تنبيهات مستمرة لا تترك فراغاً للتأمل، فنفعل الأشياء قبل أن نسأل “لماذا؟ ”.
ثم يأتي الصيام ليعيد ترتيب العلاقة؛ فلا تتحرك يدك لأن الطعام حاضر، بل لأن لحظة الإذن قد حانت.
لحظة “الأذان” تحول الفعل من اندفاع آلي إلى اختيار واعٍ.
غير أن الاختبار الحقيقي لهذا الوعي المستعاد يبدأ حين ينقضي الشهر؛ فيبقى السؤال: لماذا نحتاج ظرفاً استثنائياً لنستعيد حقاً بسيطاً هو التأجيل؟ لأننا بمجرد أن يزول هذا الظرف، نعود تلقائياً إلى الإيقاع الذي تعوّدناه.
فبعد رمضان سنعود إلى السرعة، وإلى اللمسة الواحدة التي تجلب كل شيء، وإلى العادة التي تجعل الاستجابة أسرع من التفكير.
لكن إن خرجنا من الشهر بشيء واحد فليكن هذا: أن نمنح أنفسنا ثانية واحدة قبل كل استجابة؛ ثانية واحدة فقط نعيد فيها فتح المسافة التي علّمنا إياها الصوم، ونستعيد حقنا في أن نختار.
رمضان ينتهي، لكن “ليس الآن”، لا ينبغي أن تنتهي معه؛ لأنها ليست عبارة للصوم وحده، بل مفتاحٌ بسيط لاستعادة الحياة من اندفاعها.
أكاديمية متخصصة في الإعلام الرقمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك