ليس مألوفاً في العمل الحكومي أن تنجح وزارة في تجربة نوعية، ثم تفتح أبوابها للآخرين، لا لتقدم محاضرة نظرية أو عرضاً بروتوكولياً، بل لتنقل المعرفة كما هي: تدريباً، تطبيقاً، أدوات، متابعة، واستشارات.
وهذا بالضبط ما فعلته وزارة الإعلام في تجربتها مع الذكاء الاصطناعي.
فإطلاق وزير الإعلام سعادة الدكتور رمزان بن عبدالله النعيمي لـ «مختبر المبدعين للذكاء الاصطناعي» مطلع عام 2024 لم يكن مجرد إعلان مشروع تدريبي جديد، بل كان انتقالاً واضحاً من مرحلة الحديث عن المستقبل إلى مرحلة صناعة أدواته.
فقد جاء المختبر كأول مختبر حكومي متخصص في توظيف الذكاء الاصطناعي لتطوير الأداء الإعلامي والإداري، مدعوماً بتشكيل فريق وطني متخصص داخل الوزارة لقيادة هذا التحول التقني والإبداعي.
والأهم في هذه التجربة أنها لم تبقَ داخل جدران وزارة الإعلام، فالمبادرة خرجت إلى فضاء حكومي أوسع، عبر برامج تدريبية ميدانية استفاد منها أكثر من 1800 موظف حكومي يمثلون أكثر من 22 جهة رسمية، لتتحول إلى تجربة وطنية قابلة للتطبيق والتطوير، لا إلى مشروع داخلي محدود الأثر.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية.
فالمعتاد في بعض التجارب الحكومية أن تُعرض في المؤتمرات، أو تُدرج في التقارير، أو تُذكر ضمن الإنجازات.
أما وزارة الإعلام فقد اختارت الطريق الأصعب والأجدى: نقل التجربة عملياً.
دربت، وشرحت، وطبقت، وصممت أدوات.
ثم تابعت الجهات المستفيدة (عن بُعد) لضمان أن المعرفة لا تنتهي بانتهاء الورشة، بل تبدأ بعدها في بيئة العمل الفعلية.
لقد انتقلت الوزارة من استخدام الذكاء الاصطناعي في تحرير الأخبار والتصميم والمونتاج والأرشفة وتحليل البيانات، إلى توظيفه في إعداد التقارير المؤسسية، وتطوير الخطط التشغيلية، وتحليل الوثائق الحكومية، وتلخيص المحتوى الإداري، وتصميم العروض والإنفوجرافيك، بل وحتى ابتكار شخصيات افتراضية إعلامية وإدارية، تدعم سرعة الإنجاز وصناعة القرار.
ولم تقف التجربة عند الداخل البحريني، بل امتدت إلى محيطها الخليجي والعربي والإسلامي، من خلال برامج تدريبية شارك فيها أكثر من 4000 إعلامي وإداري، وهو ما يمنح التجربة بعداً يتجاوز المبادرة المحلية إلى نموذج بحريني في نقل المعرفة الحكومية الحديثة.
إن ما قامت به وزارة الإعلام يمثل درساً مهماً في الإدارة الحكومية الحديثة، وإن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بما تنجزه الجهة لنفسها، بل بما تستطيع أن تنقله إلى غيرها، فالوزارة لم تحتكر المعرفة، ولم تتعامل مع تجربتها بوصفها تميزاً خاصاً بها وحدها، بل جعلتها منصة وطنية لتطوير الأداء الحكومي، وبناء قدرات الكوادر، وتعزيز ثقافة الابتكار.
هذه الخطوة نادرة لأنها تكسر نمطاً تقليدياً في العمل المؤسسي، وتؤكد أن التكامل بين الجهات الحكومية لا يتحقق بالشعارات، بل بتبادل الخبرة، وتوحيد الأدوات، وتدريب الكفاءات، وتقديم الدعم العملي المستمر.
وفي زمن تتسابق فيه الدول على الذكاء الاصطناعي، تقدم وزارة الإعلام البحرينية نموذجاً مختلفاً.
نموذج لا يكتفي بشراء التقنية، بل يبني الإنسان القادر على استخدامها، ولا يكتفي بتجربة ناجحة، بل يحولها إلى معرفة عامة، ولا يقف عند حدود الوزارة، بل يمد جسور الخبرة إلى الوزارات والهيئات والمنظمات.
وهكذا، فإن «مختبر المبدعين للذكاء الاصطناعي» ليس مجرد مختبر تقني، بل مختبرا لفكرة حكومية جديدة، تسدي لنا جميعا درسا بالغ الأهمية، مفاده: أن التجربة الناجحة حين تُنقل الى الآخرين، تصبح إنجازاً وطنياً مضاعفاً.
إقرأ أيضا لـ" محميد المحميد".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك