العربية نت - والي جنوب دارفور ينبه: الصراع القبلي في الولاية خطير جدا القدس العربي - كاتس يدعي أن إعلان المبادئ مع لبنان يتيح لإسرائيل قصف بيروت روسيا اليوم - الكائنات الفضائية تطيح بكبير مبشري الأبرشية الكاثوليكية في واشنطن Euronews عــربي - من روبوتات القهوة إلى الطائرات المسيرة: أغرب تقنيات معرض كومبيوتكس 2026 سكاي نيوز عربية - ما بعد الحرب.. سباق على مستقبل غزة وسلطة اليوم التالي Euronews عــربي - ضربات متواصلة وتهديد بقصف بيروت.. هل بدأ اتفاق لبنان وإسرائيل بالانهيار مبكراً؟ قناة الجزيرة مباشر - Israeli media: Washington imposed the agreement on Netanyahu, and the opposition describes Israel... قناة الشرق للأخبار - حوار مع النجمة الإيطالية جاسمين ترينك روسيا اليوم - سريلانكا.. مقتل 12 شخصا جراء حريق اندلع في دار لرعاية المسنين (فيديو) قناة التليفزيون العربي - كيف تستنزف إيران أقوى جيش في العالم؟
عامة

روسو وفولتير: الصداقة السَّامة في أبهى وأبشع صورها

القدس العربي
القدس العربي منذ 3 أشهر
1

شهد العالم بداية من القرن الثامن عشر نهضة فكرية فلسفية في أوروبا. وكانت الركيزة الأساسية التي تستند إليها تلك الحركة هو إعلاء كلمة العقل والعلم والفردية، عوضًا عن التقاليد التي صارت مصدر إزعاج؛ فهي ال...

ملخص مرصد
شهد القرن الثامن عشر نهضة فكرية في أوروبا عُرفت بعصر التنوير، وكان من أبرز رموزها الفيلسوفان فولتير وروسو اللذان تربطهما علاقة صداقة معقدة ومتقلبة. نشأ فولتير في عائلة أرستقراطية ثرية بينما نشأ روسو في أسرة فقيرة، وعلى الرغم من اختلافاتهما الفكرية والاجتماعية، تبادلا الإعجاب والمراسلات قبل أن تتحول علاقتهما إلى صراع فكري وشخصي.
  • نشأ فولتير في عائلة أرستقراطية ثرية بينما نشأ روسو في أسرة فقيرة
  • تبادلا الإعجاب والمراسلات قبل أن تتحول علاقتهما إلى صراع فكري
  • ماتا في نفس الفترة ودُفنا متقابلين تكريماً لدورهما في الثورة الفرنسية
من: فولتير وروسو أين: فرنسا وسويسرا

شهد العالم بداية من القرن الثامن عشر نهضة فكرية فلسفية في أوروبا.

وكانت الركيزة الأساسية التي تستند إليها تلك الحركة هو إعلاء كلمة العقل والعلم والفردية، عوضًا عن التقاليد التي صارت مصدر إزعاج؛ فهي اللجام الذي يكبح جماح أي محاولة للخروج من زمام الأطر التي يفرضها التراث البعيد عن حركات العلم والتقدُّم، وكان ذلك هو الأساس الذي قامت عليه حقبة «عصر التنوير» Age of Enlightenment.

وكان قوام عصر التنوير هو إعلاء قيمة العلم، ولذلك صارت المناهج التجريبية للثورة العلمية أهم أقطابها؛ حيث إنها كانت تدعو للتقدُّم العلمي وخلق ثورة علمية، والتي نشرت الإيمان بأنها حركة تفضي إلى كل ما فيه خير وصلاح للبشرية.

ومن ثمَّ، ساد التفكير العقلاني، مما منح مفكري عصر التنوير الجرأة على تحدي جميع الثوابت، وعلى رأسها المؤسسات القائمة مهما كانت، وأوَّلها الكنيسة والمؤسسات الملَكِيَّة، وهذا بغرض نشر الدعوة للحرِّية والمساواة والحكم العلماني.

ومن الجدير بالذكر أن تلك الحقبة هي الركيزة التي أرست الأسس الفكرية للديمقراطيات الحديثة وحقوق الإنسان.

وفي غمار ذاك التقدُّم، وبالتحديد في فرنسا، ظهر العديد من العلماء والمفكِّرين الذين قادوا حركة التنوير في أوروبا، وكان أهمهم الأديب والفيلسوف السَّاخر فولتير Voltaire (1694-1778) والفيلسوف والأديب الرَّاقي جون جاك روسو Jean-Jacques Rousseau (1712-1778)، وكان كل منهما رائدًا لحركة الحرُّية والديمقراطية، وقادت أفكارهما الثورة الفرنسية.

ومع هذا كله، كانت أفكار ومفاهيم كلٍ منهما لها منظور معاكس للآخر، وإن كان يصب في النهاية في بوتقة التقدُّم.

ودون أدنى شكّ، شكَّلت نشأة كل من فولتير وروسو اتجاهاتهما الفكرية الفلسفية.

فلقد نشأ فولتير في عائلة شديدة الثراء، أرستقراطية، وعمل والده على منحه تعليمًا راقيًا، ما منح فولتير دفعة قوية للثقة في النفس، والقدرة على إبداء الرأي بجرأة وصراحة.

وبلغ مقدار قوَّة شخصيته وثقته في الذَّات إلى حد الجرأة على مراسلة كبار رجال الدولة والملوك، وتكوين صداقات مع كبار الشخصيات، وهو لا يزال في بداية مرحلة الشباب.

وعلى عكس أي توقعات، كانت أفكار فولتير تحررية، داعية إلى إعلاء كلمة العقل ومناوئة الخرافات التي تعيق التفكير العقلاني البحت.

وتلك الأفكار نفسها، استطاعت تأليب أصدقائه عليه، وتعريضه لأسوار سجن الباستيل المرعب مرتين، ونفيه كذلك خارج البلاد.

وكان فولتير حاد الطباع، كثير المشكلات؛ بل يوصف بأنه شخصية مثيرة للجدل بكل المقاييس، وانتهى به الحال بأنه كان يبحث في أوروبا عن دولة قد يستقبله فيها الشعب دون شجب أو نقد قد يصل إلى رغبة عارمة لطرده من البلاد.

وعلى الجانب الآخر، وبعد ثمانية عشر عاماً من مولد فولتير، ولد جون جاك روسو في مدينة جنيف بسويسرا.

وكانت نشأته مخالفة لنشأة فولتير؛ فلقد نشأ في أسرة قروية فقيرة.

وقاد روسو في طفولته حياة بائسة قاسية؛ حيث كان والده يصلح السَّاعات، لكنه تركهم ولا يزال روسو في العاشرة من عمره.

وبعد انتقال عائلته إلى فرنسا، امتهن روسو العديد من الوظائف الدُّنيا حتى يستطيع أن يوفِّر قوته، ومن هذه المهن وظيفة ناسخ، ومدرس موسيقى، وخادم شخصي، وسكرتير، وجميع تلك المهن تنظر إليها الطبقة الأرستقراطية بتعال، ويعتقدون أن الكاتب والفيلسوف لا يمكن أن يكون على هذا النحو من الفقر.

لكن ذكاء روسو فرض نفسه على جميع الأوساط، وجعله يكسب احترام وودّ الجميع.

وأمَّا عن شخصه، فكان هو ذاته من الشخصيات المرهفة الحسّ، التي من الصعب أن تكوِّن علاقة صداقة قوية مع الآخرين.

وعلى الرغم من أن فولتير وروسو نقيضان ويفصلهما فارق سن كبير، فإن صداقة متينة نمت بينهما، وبدأت منذ اللحظة التي بدأ فيها روسو بتناول إحدى الأوبرات التي كتبها فولتير، ومنذ ذاك الحين تبادل الاثنان المراسلات الودِّية المبنية على الإعجاب المتبادل بالأفكار.

وبما أن اللحظات السعيدة لا تدوم، سرعان ما انهارت تلك العلاقة عام 1750 بعد أن أرسل روسو مخطوطة «مقال في العلوم والفنون» Discours sur les sciences et les arts (1750), إلى فولتير، كعادتهما فيما سبق.

فكانت الصدمة هي رأي فولتير القاسي الذي طمر إهانة صريحة لشخص وآراء روسو الشهير بذكائه، علمًا بأن موضوع الكتاب كان الفائز بمسابقة «أكاديمية ديجون» l’Académie de Dijon، وهي إحدى المؤسسات المرموقة للغاية.

وكانت المسابقة عبارة عن طرح سؤال على العامة لقياس مدى التفاعل مع حركة التقدُّم، وكان نصّ السؤال: «هل قامت العلوم والفنون بتحسين الأخلاق الإنسانية، أم عملت على إفسادها؟ » وجاء ردّ روسو على ذاك السؤال الفلسفي الجدلي على عكس التوقُّعات؛ فلقد اختار الموقف الأكثر إثارة للجدل عندما نفى أن العلوم والفنون يعملان على إفساد البشرية.

واستطرد في شرح نظريته في كتابه «مقال في العلوم والفنون» Discours sur les sciences et les arts (1750) والذي صرَّح فيه أنه كلما ازداد المجتمع رقيًا، ازداد فسادًا.

وأضاف أن التقدم التكنولوجي والفنون والترف وكل ما شابه ذلك من وسائل راحة ورفاهية، يُبعد الشعوب عن الفطرة السليمة، ودلل على صدق نظريته بالاستشهاد بأمثلة من العصور القديمة.

وأول دلائله سرد ما حدث لإسبرطة وشعبها.

فشعب إسبرطة البسيط الزاهد الذي يقود حياة من الفضيلة وحسن الخلق، اصطدم بشعب أثينا المتقدِّم المولع بالفن والفلسفة.

لكن بإمعان النظر إلى حالة المجتمع، يلاحظ أن الانحلال قد قوَّض مفاصله.

وأثار جدله ضجَّة واسعة استنفرت ذائقة حكَّام المسابقة الذين خصصوا الجائزة من نصيبه وحده.

ومن ثمَّ، وجد روسو نفسه شهيرًا وحائزًا على لقب فيلسوف ألمعي بين عشية وضحاها.

فأشعل ذلك نيران الغيرة في صدر فولتير الذي يجاهد منذ سنوات طويلة للاعتراف به كفيلسوف ألمعي.

وعلاوة على هذا، كان فولتير عاشقًا للعلوم والفنون والتقدم التكنولوجي، ومن ثمَّ اعتبر أن روسو ينتقد ما كان يدافع عنه ويتغنى به في قصائده وأعماله وخطبه.

فكان ردّه المباشر: «كتابك سيئ للغاية»، وأضاف: «أحب الرفاهية، بل وحتى الكسل، وكل الملذات، والفنون بجميع أنواعها».

وأخذ يُلح على فكرة أن التاريخ البشري مسيرة نحو التقدم، وأنه كلما تطور الإنسان في العلوم والتكنولوجيا، ازداد الفرد سعادة وحرية.

ومنذ تلك اللحظة، ونيران الغيرة توغل في نفس فولتير من صديقه، لدرجة جعلته يقتني في مكتبته جميع أعمال روسو.

ولم يمض وقت طويل حتى تصالح القُطبان المُتخالفان.

بيد أنَّ روسو في عام 1755 نشر خطابًا ثانيًا أكثر إثارة للجدل: «مقال في أصل وأسس عدم المساواة بين البشر» Discours sur l’origine et less fondements de l’inégalité parmi les hommes، الذي كان يهاجم فيه الملكية الخاصة بشكل مباشر، عندما أعلن أن الملكيات الخاصة بدأت عندما جاء أول رجل قال: «هذه الأرض لي»، وأحاطها بسياج، ومنذ ذاك الحين أصبح المسؤول عمّا ابتلينا به من مصائب.

أي أن الصراع بدأ حينما تم اختراع الملكيات الخاصة التي أفسدت حياة البشر الطبيعية التي كانت بلا ملكية، وبلا تفاوت.

ومن ثمَّ، لم يكن هناك حاجة للصراع على الملكيات الذي خلق الأنانية، والحسد، واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان.

وأرسل روسو هذا النص مباشرة إلى فولتير، مما أثار حفيظته.

لكن كان رده ساخراً لاذعاً، كالعادة، فقال: «بالتأكيد، لا تستخدم كل هذا الذكاء في محاولة جعلنا أغبياء».

وأضاف أنه يشعر وكأنه يزحف على أربع عندما يقرأ هذا الكتاب.

بل وعلَّق: « يريد روسو أن يعيدنا إلى حالة حيوانية، نسير على أربع».

واختتم رسالته بقول: «أنا سأؤيِّد أفضل نظريتك إذا كنت أسير على أربع، أو أعتزم أن أسير كذلك».

ثم ذيَّل الرسالة بمقولة لاذعة السُّخرية: «أدعوك لزيارة الضيعة كي تشرب من ألبان أبقاري».

وختام الرسالة، بالتأكيد، إهانة صريحة لشخص روسو.

وجاءت الهبة السماوية لفولتير كي تدل على صدق نظريته في عدم الاتِّكال على الطبيعة الخادعة، عندما ضرب زلزال قوي مدينة لشبونة الإسبانية عام 1755 الذي أودى بحياة نحو مائة ألف روح بشرية دفعة واحدة.

ولهذا، كتب فولتير رائعته «كانديد» التي يسخر فيها من قسوة الطبيعة.

لكن روسو هاجم عمله لأنه يقوِّض أحلام البسطاء الذين يأملون في وجود عالم آخر قد تصيبهم فيه النعمة والرفاهية، كتلك التي يتمتع بها الأغنياء، مثل فولتير نفسه.

وكل هذه المشاحنات والهزَّات لم تؤثِّر كثيرًا في أطر الصداقة المتينة بينهما، لكن كانت الطَّامة عندما أراد فولتير افتتاح مسرح في مدينة جنيف مسقط رأس روسو، الذي هاجم صديقه بالقول الصريح بأن مسرحه سيجلب الفساد على قومه الطيبين.

فما كان من فولتير ذي الطباع النارية، إلَّا أن هاجم صديقه بأشنع الطُّرُق، فأخذ يعايره علانية في الصحف بمقالات تحت اسم مستعار يكشف فيها عن فقره المدقع والمهن الدُّنيا التي شغلها في مستهل حياته.

وعندما لم يوجع ذلك كثيرًا روسو، بدأ فولتير الخوض في شرف صديقه معلنًا أنه شخص حقير سلَّم أولاده لملجأ الأيتام حتى يتملَّص من تربيتهم.

وتلك الواقعة كتبت فصل النهاية في علاقة الصداقة السَّامة هذه، والتي لم يتعاف ويتسامح بعدها روسو كعادته، وأنهى علاقته نهائيًا مع صديقه إلى أن فارق الحياة.

إلَّا أن المفارقة الكبرى هي أن بعد موت فولتير بشهرين، فارق روسو الحياة.

وبما أن أفكارهما كانت الشرارة التي أشعلت فتيل الثورة الفرنسية، قام الشعب بتكريمهما بأن جعل مدفن كلٍ منهما مقابلًا للآخر.

وكأن ما بدآه من مشاحنات داخل الدنيا، سيستكملانها في الآخرة.

علاقة الصداقة بين فولتير وروسو هي أفضل مثال للعلاقات السَّامة التي لا يمكن التخلُّص منها، حتى ولو بالموت.

كان فولتير، الصلف العنيد، يتلذذ بإذلال وتعذيب صديقه، الذي لربما كان الصديق الوحيد الدائم، دون أدنى سبب سوى الغيرة وعدم القدرة على فرض هيمنته عليه.

وهذا الصنف من الصداقة يكشف أيضًا عن الجانب لآخر من حياة العظماء ذوي الأسماء اللامعة البرَّاقة من الخارج والتي تنضح سوادًا من الدَّاخل.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك