لا شيء يصدر بالصدفة أو عشوائية من أصوات مآذن العراق، سواء تلاوات القرآن أو الأذان، فكل نغمة تتعلق بوقت، وكما أن لكل مقام مقال، فإن لكل مقال “مقام” بالمعنى اللحني، وقد توارث القراء العراقيون تقاليد تحديد مقامات لحنية معينة أو طبقات صوتية محددة لكل وقت من اليوم، تتناسب مع طبيعة ذلك الوقت، لكن ذلك التقليد تراجع بينما يحافظ عليه المؤذنون في مساجد تركيا كما يقول الشيخ محمد سالم، وهو إمام ومؤذن جامع الباشا وسط سوق باب السراي في الموصل القديمة.
ويهدف تحديد مقام لكل أذان إلى مراعاة الحالة النفسية للمستعمين في كل وقت من اليوم، ويتعلق ذلك أيضاً بنبرة الأذان كأن يكون الصوت هادئاً تصاعدياً في الفجر وأكثر شدّة في العشاء وإن كان المقام المعتمد في الأذانين هو الحجاز نفسه أو السيكا.
وإضافة إلى الجانب النفسي، يقول المؤذن محمد سالم لشبكة 964 إن تحديد مقام لكل أذان كان يساعد فاقدي البصر الذين يعيشون بمفردهم على معرفة الوقت الذي هم فيه، خلال أزمان سابقة.
ويعتمد المؤذنون مقام الصبا لصلاة الفجر، والحجاز لصلاة الظهر، والرست لصلاة العصر، والسيكا لصلاة المغرب، ومقامات عدة للعشاء، لكن ذلك التقليد تراجع كثيراً في مساجد العراق وصار الأذان “على البركة” كما يتحسر الشيخ سالم.
لكن مساجد العراق تحافظ حتى الآن على التقاليد الصوتية لصلاة الجمعة، فالأذان الأول لصلاة الجمعة يكون بالمقام الذي يختم به قارئ القرآن، وهنالك ترقية “صلوات” قبل الأذان الثاني، وتكون بمقام السيكا عادةً، ويكون الأذان الثاني سريعاً بعكس الأول.
ويقول إمام جامع الباشا إنه يؤذن بمقام الرست غالباً ويدخل “قطعة الزنجران” ثم “النكريز”، وهي نغمات لم تكن مألوفة سابقاً في أذان أهل الموصل، وجاءت مع تطور الأداء بهدف جذب المستمع، كما يشير إلى فروقات في النطق بين مؤذني الموصل وبغداد، فأهل العاصمة يفخمون الأحرف مثل اللام وغيره، بينما يكون النطق الموصلي أرق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك