صدر حديثًا للدكتور علي محمد علي سلمان كتابه «بلاغة الإقناع في رسائل الإمام علي.
دراسة في ضوء نحو النص»، في 383 صفحة من القطع المتوسط، مقدّمًا مقاربة لسانية حجاجية لرسائل الإمام علي، تنقلها من حيّز التلقي الوعظي أو التاريخي إلى مجال التحليل النصي بوصفها خطابًا كاملًا تتضافر فيه البنية والمقام والاستراتيجية.
وقد صدر الكتاب بطباعة «مؤسسة الأيام للنشر».
وينقسم الكتاب إلى مبحثين رئيسين: يتناول الأول «خصائص التخاطب الحجاجي في مقام الترسل»، في حين يختص الثاني بـ«تقنيات الإقناع في رسائل الإمام علي».
وبين المبحثين، تتبلور أطروحة كون الرسالة ليست نصًا ذا سياق بلاغي وحسب، وإنما بنية خطابية مكتملة، تتأسس على وعي بالمقام، وبالمخاطب، وبآليات التأثير.
ويمهّد المؤلف لرؤيته بالتأكيد أن «الرسائل قد نشأت من رحم الخطابة، ومن ثم فإن الرسالة ما هي إلا خطبة مكتوبة»، غير أنه يضيف أن الرسالة، بعد استقلالها، «اتخذت شكلًا أدبيًا يختلف عن شكل الخطبة»، وصارت جنسًا أدبيًا له «خصائصه، واستراتيجيات قوله، وله مقاماته ووظائفه».
بهذا التحديد، يحرر سلمان الرسالة من التبعية، ويضعها في أفق أجناسي مستقل، قابِل للتحليل وفق أدوات «نحو النص» والبلاغة الجديدة.
الكتاب، كما يبدو، ينحاز منهجيًا إلى الحجاج بوصفه «علم النص»، وإلى تحليل الخطاب «من الوجهة الحجاجية بوصفه أهم رافد لساني يرفد الحجاج بالوسائل والأدوات التي تمكن الدارس من تحليل الخطاب تحليلًا حجاجيًا شاملًا وعميقًا».
في المبحث الأول، يعيد المؤلف ترتيب العناصر المؤسسة لأي خطاب حجاجي: الباث، والمتلقي، والمقام.
هذه العناصر، كما يؤكد، «لا يمكن إغفالها عند تحليله في ضوء البلاغة الجديدة».
فالخطاب، في منظور سلمان، فعل تواصلي تتعاون في إنتاجه أطراف متعددة، وتتحكم فيه سياقات متشابكة.
ينتقل التحليل من الولع القديم بـ«بلاغة الجملة»، إلى «بلاغة الخطاب التي انتهت إليها الدراسات اللسانية والتداولية في هذا العصر»، حيث تهتم البلاغة الجديدة «بسياسة القول وما يسمى باستراتيجيات الخطاب وتقنياته، التي ينتهجها المنتج في بناء خطابه بغية إغراء المتقبل وإيقاعه في سحره، ودفعه نحو تغيير سلوكه».
هذا التركيز على البعد التداولي يجعل رسائل الإمام علي مجالًا لفحص آليات التأثير.
ويحدد المؤلف خصائص التخاطب الحجاجي في مقام الترسل عبر عناصر: التعاون، والتفاعل، والحوارية، والجنس الأدبي، والتلقي.
هذه العناصر تتشابك لتشكّل «بناء النص المتماسك»، حيث لا تُفهم الرسالة خارج شبكة العلاقات التي تنسجها مع قارئها.
ولا يغفل سلمان عن إشكالية القراءة، محذرًا من الضغوط التي قد «تحرف قراءة النص عن مسارها الصحيح»، سواء كانت مرتبطة بتاريخ التلقي، أو بالموروث الثقافي والأيديولوجي، مؤكدًا ضرورة «تجنب كل معوقات القراءة الصافية، أو المنهجية؛ حتى لا تكون سببًا في تشويش الفهم، وتقويض المعنى»، داعيًا القارئ إلى إقامة «علاقة محبة وإخلاص مع النص المقروء».
تقنيات الإقناع: المقام والأسلوب.
يمثل المبحث الثاني لبّ الدراسة وجوهرها الإجرائي، كما يؤكد المؤلف، حيث يقسّم سلمان تقنيات الإقناع إلى قسمين: تقنيات مقامية، وأخرى أسلوبية.
في القسم الأول، يرى أن المقامة في تراسل الإمام علي «واحة تستقطب مقامات دينية واجتماعية وسياسية وثقافية»، وأن الإمام «يراعي مقتضيات المقام ومراتب المخاطبين وأحوالهم وثقافتهم»، ما يجعل اللغة تتشكل وفق الأغراض والمقاصد.
ويخلص المؤلف إلى أن هذه الحجج، «سواء كانت تخاطب العقل، أم تخاطب المشاعر، أم تخاطب الحواس، أم تخاطب الجموع؛ فإنها وبسبب دقة اختيارها، وإحكام بنائها، وجمال تنظيمها قد أدت وظائفها الجمالية والدلالية والإقناعية بصورة مثيرة للإعجاب».
أما القسم الثاني، فيتجه إلى التقنيات الأسلوبية بوصفها «أهم تقنيات الخطاب»، حيث تتفاعل جميع المستويات الأخرى، حيث يفكك سلمان الخطاب العلوي عبر مستويات ثلاثة: المعجمي، والإيقاعي، والنصي.
في المستوى المعجمي، يرصد «الحقول المعجمية» التي تؤدي وظيفتين: خاصة، تتحقق عبر تواتر ألفاظ ذات معنى متقارب تمثل مقصدًا محددًا كالمدح أو الذم؛ وعامة، تتحقق عبر مجموع الحقول الدلالية بوصفها أجزاء لمقتضى عام هو «النصح بمعناه التوجيهي والإقناعي».
وفي المستوى الإيقاعي، يتوقف عند ظواهر كالسجع والتوازن، معتبرًا أن «التشكيل الإيقاعي في رسائل الإمام علي تمثل ظاهرة أسلوبية لافتة».
أما المستوى النصي، فيعنى بالتركيب في علاقته بالتكوين الكلي للنص، حيث تتآزر البنية مع المقصد الحجاجي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك