رغم الوجع والانكسار ورغم الفقد الذي هز كياني ما زلت أراك في كل شيء.
فصدمة فراقك أربكت ترتيب العالم داخلي.
إن مقالي هذا ليس رثاءً بقدر ما هو محاولة متعثرة للإمساك بشيء منك.
أنت الأخ الوحيد الذي بقي لي بعد أن رحل أبي وأمي منذ سنوات طويلة، وكنت آخر ما تبقى من بيت هُدم سقفه وبقيت جدرانه معلقة بك.
بعد وفاة أبي وأمي كنت أقول لنفسي ما دام هو معي فأنا لست وحدي تمامًا.
كان وجودك يرمم يُتمي ويخفف قسوة الحياة ويجعل الدنيا رغم كل شيء محتملة.
لم تكن مجرد أخ، بل كنت ذاكرة الطفولة وصوت البيت القديم والشاهد الأخير على أسمائنا الصغيرة، وعلى ضحكاتنا الأولى، وعلى صوت أبي وهو ينادينا، وحضن أمي الذي ما زال يسكن روحي.
لم يكن فراقك وجعًا عابرًا، بل زلزالًا أعاد ترتيب عالمي على نحو لم أعرفه من قبل.
كان الرحيل غير متوقع، وكأن بيننا عهدًا صامتًا ألا يحدث وداع.
كانت روحك معلقة بي، وكان قلبي بلا مقاومة متعلقًا بك.
لم أظن أن الأيام يمكن أن تفاجئني بكسر جديد بعد كل ما احتملت.
أعذرني لأنني لم أصدقك حين أخبرتني برحيلك قبل أن ترحل.
فقد ظننته خوفًا عابرًا ولم أعلم أنه كان وداعًا أخيرًا.
ولدي يقين كبير بأن الله كان رحيمًا بك، لأنك لم تكن لتتحمل خبر وفاتي وتركك وحيدًا بدوني، وابتلاني أنا بهذه المصيبة.
فهو الذي خلقنا ويعلم قدرة كل منا.
وأعلم بيقين موجع أن الله كان رحيمًا بك ورحيمًا بي أيضًا، لأنه يعلم قدرة كل قلب على الاحتمال.
أستودعك الله الرحيم الكريم الحنان المنان أن يرحمك ويتجاوز عن سيئاتك ويباعد بينك وبين خطاياك كما باعد بين المشرق والمغرب.
رحيلك لم يكن فراق شخص بل فراق وطن.
أخي الجميل ذو الروح الحلوة الكريمة التي لم تعرف إلا الطيبة، ولا سكنتها إلا الرحمة، ولا عبرت عن نفسها إلا بالكرم والتعاطف.
عزائي الوحيد أن رحيلك لم يكن عبر الألم الطويل ولا من بوابة مرض قاس، بل صعدت روحك سريعًا، كأن الله بلطفه الخفي أراد أن يخفف عنك ثقل الدنيا ويعجل بك إلى جواره، بين يدي رب رحيم غفور كريم، هو أرحم بك من كل من أحبك.
لكني وسط انكساري مؤمنة إيمانًا كاملًا أن الله لا يختار إلا برحمة، ولا يبتلي إلا بحكمة، ولا يأخذ إلا ليعطي عطاء أعظم.
أتعلم يا أخي إن أكثر ما يوجعني ليس فقط لحظة الرحيل، بل التفاصيل الصغيرة بعدك.
ذلك الاتصال الذي كنت تبدأ به يومي، سؤالك البسيط" عاملة إيه"، نبرتك التي أميزها من أول حرف، وطريقتك في طمأنتي حين أرتبك، كأنك أكبر مني بعمر كامل.
ومع أنك أخي الأكبر، إلا أنك كنت لي بمثابة ابني البكري الذي أخاف عليه من كل شئ وأتعاطف معه لأقصي درجه وأتغاضى عن هفواته التي قد لا أراها.
كانت علاقتنا قوية، قوة من تقاسما اليتم، فشدتهما الحياة إلى بعضهما شدًا، وقربت بينهما المواقف قبل الكلمات.
لم نتعلق ببعضنا لأننا إخوة فقط، بل لأن رحمة الله كانت بيننا في كل شيء.
لم تكن كتابتي ممكنة بعدك، فقد كنت أول قارئ وأصدق شاهد، وأول من ينشر كلماتي فخرًا لا مجاملة، واقتناعًا لا تشجيعًا عابرًا.
كنت أقرب خلق الله إلى قلبي وأكثرهم حضورًا فيه، وستظل كذلك ما حييت إلى أن ألقاك بإذن الله في الفردوس الأعلى.
يا رب إن كان أخي قد أحسن فزد في إحسانه، وإن كان قد أساء فتجاوز عن سيئاته، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، واجعل قبره نورًا وسعة وسكينة.
أخي أبحث عنك في كل شيء.
أفتح مراسلاتك وأتحسس ذكرياتك معي.
أحادث كل من عرفك ولم أكن أعرفه.
أفتش في الخبايا الصغيرة لأشعر أنك ما زلت هنا.
أشعر بألم الفراق وأبحث عن دواء فلا أجد إلا الدعاء.
لكنك تركت في قلبي إيمانًا أعمق وحنينًا لا ينتهي ووعدًا بلقاء لا بد أن يكون.
سأظل أراك في كل شيء وأسمع صوتك في التفاصيل التي لم تصمت بعد، وأكتب كما كنت تحب، وكأنك أول من سيقرأ.
إلى أن نلتقي حيث لا موت بعده ولا فراق.
فإن كان الفراق قدر الأرض فاللقاء وعد السماء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك