لطالما كانت مصر وعبر تاريخها داعية لحل النزاعات بالطرق السلمية وقامت بعدة وساطات بين الدول، وتبنت رفضها للحروب من أجل الاستقرار العالمي، لقد حملت على عاتقها هذا الميراث الطويل منذ فجر التاريخ وحتى الآن، حيث دونت المقابر والسير الذاتية للمصريين القدماء دورهم الكبير فى حل النزاعات بالطرق السلمية بين الشعوب.
وتم اكتشاف مقبرة الرحالة المصري حرخوف عام 1892م، بقبة الهوا بأسوان، حيث قدمت المقبرة الكثير من الأسرار عن السيرة الذاتية لأحد الرحالة الأوائل فى التاريخ المصري القديم، حيث وصلت رحلات حرخوف إلى قلب إفريقيا ليدون عالم النيل القديم، بل قدمت مقبرة حرخوف معالم عن إنسانيته وأخلاقه العالية فى تعاملات اليومية، ذلك الرجل الذي لم يمنع جاره من استقلال قارب لعبور النهر، ولم يُهن جائعا أو فقيرا، والذي أقسم قبل موته بأنه مثل المصريين لم يلوث النهر.
بدوره يقول مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار لـ" بوابة الأهرام"، إن الإنسان المصري القديم كان لديه شغف كبير باكتشاف العالم المجاور، ومنذ فجر التاريخ كان ملوك مصر ينظمون بعثات استكشافية لكل البلاد المجاورة.
ولم يقتصر الهدف من تلك البعثات الإستكشافية على التبادل التجارى فقط، فقد كان هناك هدف آخر فى غاية الأهمية بالنسبة لأجدادنا، وهو اكتشاف طبيعة البلاد الغريبة عنا (تضاريسها، مناخها، نباتاتها) وتأسيس علاقات دبلوماسية معها.
ويضيف شاكر، أن من أجمل النصوص التى تتكلم عن طبيعة البعثات الإستكشافية فى مصر الفديمة، نص السيرة الذاتية لحاكم الصعيد" حِرخوف"، فى عصر الأسرة السادسة (حوالى 2300 سنة قبل الميلاد)، حيث سجل سيرته الذاتية (قصة حياته) على جدران مقبرته فى قبة الهواء بأسوان، و فى النص الجميل حكى لنا تفاصيل 3 بعثات استكشافية أرسلها الملك" مِرِنرَع" للعمق الإفريقى، و كان" حِرخوف" قائد هذه البعثات.
وفى أول رحلة" حِرخوف" ذهب مع والده ليتعلم منه أسرار المهنة، ويتعرف على طبيعة عمل البعثات الإستكشافية، وبعدها بدأ" حِرخوف" يتحمل مسئولية قيادة البعثات الإستكشافية بنفسه.
منذ طفولته عشق حرخوف الجنوب، وصمم على سبر أغوار نهر النيل بحواسه، فالطفل المولود لعائلة نبيلة، قرر أن يسلك الطريق الصعب فى عشقه للرحلات نحو النيل وعوالمه الغامضة آنذاك، حتى وضعه المؤرخون والأثريون فى كتاباتهم، ضمن أشهر الرحالة فى تاريخ مصر القديمة الذين ذهبوا فى رحلات نحو إفريقيا لاكتشاف النهر وسبر أغواره، حيث تم وضع اسم حرخوف بجانب الرحالة المصريين العظام فى التاريخ القديم أمثال مخو، وسابنى.
عاش حرخوف الذي يعتبره الأثريون والمؤرخون أول من سار على طرق علمية فى رحلاته، فى عهد الأسرة السادسة التى اهتمت اهتمامًا كبيرًا ببلاد النوبة ومابعدها من البلاد التى تقع خلفها جنوبا عند الشلال الثانى، حيث أقامت الأسرة السادسة علاقات وطيدة مع تلك الدول، وقد عمل فى ظل حكم مرن رع الذى استمر من سنة 2247 إلى سنة 2241 قبل الميلاد، وأخيه غير الشقيق بيبى الثانى الذى استمر فى الحكم حتى سنة 2148 قبل الميلاد.
وقد قرر حرخوف أن يرتحل مع والده نحو الجنوب فى مرحلة الطفولة، وقد رفض والده فى البداية؛ لأنه كان مكلفا من قبل الملك لاكتشاف الطريق نحو منطقة إيام، ووضع تقريرًا عنها، وعن أهم الطرق التى تتجه إليها، ولكن الطفل حرخوف كان مُصممُا، وقد وعد حرخوف والده أنه لن يشكو من أى شيء إن اصطحبه معه، ووعده أنه سيكون رجلاً لا طفلاً أمام المخاطر الجمة التى قد يواجهونها فى الرحلة، وماكان من والده غير أن يرضخ لطلبه فوصلا نحو منطقة إيام، فى مدة طالت حتى بلغت ثمانية أشهر.
كان والد حرخوف واسمه إزى صديقًا لنجله حرخوف، الصديق الوحيد له الذي اصطحبه نحو الجنوب طفلا بناء على رغبته وحبه للنيل حيث منطقة إيام، ويختلف الأثريون فى الموقع الجغرافي لمنطقة إيام، فمنهم من يري أنها عند الشلال الثانى، ومنهم من يؤكد أن إيام فى السودان بالقرب من الخرطوم حاليا، حيث نقطة التقاء النيلين الأبيض والأزرق، اللذين يتشكل منهما نهر النيل الخالد.
حين كبر حرخوف قرر أن يقنع المسئولين فى مصر برغبته فى الذهاب حيث يدفعه نداء قلبه بالتوغل نحو الجنوب، فيجد أذانا صاغية وإعجابا بحماسه، فيعد العدة ويسير بأمتعته ليخترق طريق ألفنتين، وفى طريقه كان يسجل طبيعة الحياة ويتعمق، وقد امتاز بطريقة علمية في الرحلات، حيث كان لا يعود من الطريق الذي سلكه في الذهاب، فالمغامرة السهلة لم تكن تشوقه؛ لذلك كان يسلك طرقا عدة، رغم مشقة الطرق ووعرتها واختلاف القبائل، وكثرة الحيوانات بها، وحين توالت عليه الرسائل بالرجوع نحو مصر، فيكون كان الرد: " لن أترك البلاد إلا بعد أن أقضي بها ما يوزاى القدوم إليها وهى مدة ثمانية أشهر"، وهذا ماحدث، حيث كتب فى تقريره العديد من أسماء الأماكن نحو منطقة إيام.
تولي حرخوف منصب القائد العسكري للجنوب ومدير كل البلاد الأجنبية في الجنوب، وقد كان شغوفا جدا بنهر النيل والروابط التي تربط المصريين بالنهر وإفريقيا مثل معظم المصريين، وقد قرر حرخوف الذي عاش فى عصر مرن رع الأول، مواصلة رحلاته خاصة أن الملك مرن رع كان مهتما اهتماما خاصة بتسهيل حركة الملاحة فى نهر النيل، فقد أمر الملك مرن رع بحفر خمس قنوات عند الشلال الأول لتسهيل سير السفن وتأمينها فى مواجهة الصخور التى كانت تتسبب في تعثر الرحلات الكشفية النهرية جنوب أسوان.
وفى رحلة حرخوف الثالثة للجنوب، قرر أن يسلك طريقا آخر وهو درب الأربعين، وهو ماجعل بعض الأثريين يؤكدون أنه ارتحل إلى ليبيا أيضا، حيث كان درب الأربعين نقطة وصول إلى ليبيا مثلما كان نقطة وصول نحو السودان.
ويوضح شاكر، أن فى رحلته الأخيرة قام" حِرخوف" بدور دبلوماسى فى حل نزاع كان قائم بين زعيم قبائل" إيام" وبين زعيم قبائل الـ" تِمِحو" (الصحراء الليبية)، والنص المُسجَل فى مقبرة" حِرخوف" فى أسوان يُعتبَر أول نص مدون فى التاريخ يتحدث عن جهود وساطة دولية لحل النزاعات بين الشعوب، و مصر هى صاحبة الفكرة و أول دولة تطبقها عمليًا فى واحدة من البعثات الإستكشافية التى قام بيها" حِرخوف" من حوالى 4300 سنة.
لقد كتب حِرخوف على جدران مقبرته تفاصيل رحلاته الاستكشافية للعمق الأفريقى، مؤكدًا فى نصوصه أن لجلالة الملك" مِرِنرع" مع والدى، الرفيق الوحيد للملك والكاهن المرتل" إيرى" إلى بلاد" يام" بالنوبة؛ لكى نفتح الطريق لهذه البلاد (أى ننشئ علاقات تجارية معها)، وقد استغرقت هذه الرحلة سبعة أشهر.
ثم يُكمل حِرخوف نصوص رحلته، قائلاً: " أحضرتُ من هناك كل أنواع البضائع الجميلة والأشياء النادرة.
وهو ما جعلنى موضع ثقة الملك و تقديره، ثم أرسلنى جلالة الملك مرة ثانية، حيث يقع فيها بيت زعيم قبائل" ساتيو" و" إيرتيت" وعند وصولى إلى هناك، وجدتُ زعيم قبائل" يام" قد ذهب إلى بلاد الـ" تِمِحو" فى الغرب (ليبيا)، وكان بينه و بينهم نزاع، فذهبتُ وراءه إلى بلاد الـ" تِمِحو" (ليبيا)، وبصحبتى الفرقة العسكرية التى تحمى قافلتى التجارية، وهناك صالحتُ بين الأطراف المتنازعة، وعقدتُ بينهم اتفاقية سلام، وهو ما أسعد قلب زعيم بلاد" يام" فأخذ يدعو لملك مصر.
فى رحلته التى قدم الملك فيها تسهيلات له، التقى حرخوف المسؤول تشوني مع عدة سفن بأمر الملك وتوغل جنوبا، فعاد لمصر بأفكار جديدة، وبـ 300 دابة مُحملة بالخيرات، ليقرر بعدها أن يرتحل فى رحلات آخري ط، لكن كانت المفاجأة فى موت الملك مرن رع الأول، الذي كان يحث حرخوف ويشجعه على مواصلة الرحلات، وتولى أخيه غير الشقيق بيبى الثانى حكم مصر بدلا منه، ويروى لنا الرحالة حرخوف على جدران مقبرته بقبة الهوا قصة رحلته الثالثة فى زمن الملك مرن رع بكثير من التفاصيل؛ مما جعل بعض الأثريين يرجعون أن الرحلة الثالثة لحرخوف ربما كانت الأخيرة؛ بسبب قيامه بتدوين كافة التفاصيل عنها خلاف رحلته الرابعة.
وفى عهد بيبى الثانى الذي شهد عصره وجود عدد من الرحالة الآخرين للنهر، قرر حرخوف المُضى فى رحلة رابعة، كانت هى الأخيرة بالنسبة له، حيث اصطحب معه القزم الذى أهداه للملك، ويكتب عنها تقريرًا موجزا، ثم يقرر بعدها أن يرتاح من الرحلات الجغرافية، ويمارس مهام عمله كحاكم لمنطقة ألفنتين، ويعيش مع زوجته الجميلة تيبى، والتى لُقبت بـ" سيدة الانتظار، وخادمة حتحور"، بينما كان ابنه الوحيد دجيمى هو صورة منه يُذكره بطفولته وقصته مع والده فى رحلاته نحو إفريقيا طفلاً.
وبمقبرته الكائنة بمنطقة قبة الهوا بأسوان يُدون حرخوف نقوشًا بديعة على مقبرته، حيث يروى سيرته وحكايته، بل يدون مقاطع عن إخلاقه وإنسانيته العالية حيث أعطى الجياع خبزًا، و العريان كساء، ونقل بقاربه من ليس لديه قارب، حيث مازالت مقبرته القريبة من مقابر رحالة مصر العظام الآخرين تشد الانتباه لجمالياتها ولنقوشها، التى تؤكد على أهمية النهر للمصريين، وكيف ساهموا فى اكتشاف النهر وسبر أغواره الغامضة عبر التاريخ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك