أضاف أنه رغم هذه الأهمية، فإنهم لا يزالون الحلقة الأضعف في معادلة السوق، حيث يحصلون على أقل نصيب من القيمة المضافة مقارنة بباقي حلقات السلسلة.
ومن هنا تبرز ضرورة إعادة صياغة العلاقة بين المزارع والسوق، بحيث ينتقل من متلقٍ للدعم إلى شريك أصيل في خلق القيمة.
وقال إن سلاسل القيمة الزراعية لم تعد مجرد مسار لنقل المنتج من الحقل إلى المستهلك، بل منظومة متكاملة تبدأ من المدخلات والتمويل، مرورًا بالإنتاج والتجميع والتصنيع، وصولًا إلى التسويق المحلي والتصدير.
وكلما تم دمج صغار المزارعين داخل هذه المنظومة بشكل مؤسسي ومنظم، زادت قدرتهم على التفاوض، وتحسنت جودة منتجاتهم، وارتفع نصيبهم من العائد النهائي.
وأشار إمبابي، إلى أن التحديات الهيكلية ما زالت قائمة؛ فمحدودية الحيازات، وضعف الوصول إلى التمويل، وتقلبات الأسعار، وغياب المعلومات السوقية الدقيقة، تجعل المزارع الصغير عرضة للمخاطر.
كما أن سيطرة الوسطاء في كثير من الأحيان تؤدي إلى تآكل هامش ربحه.
ولهذا فإن التمكين لا ينبغي أن يكون في صورة دعم تقليدي، بل في صورة آليات ربط ذكية ومستدامة.
وشدد على أننا بحاجة إلى أفكار تتجاوز الأطر التقليدية.
فعلى سبيل المثال، يمكن إنشاء “بورصات قروية رقمية” تُعرض فيها المحاصيل قبل الحصاد بنظام التعاقد المسبق، بحيث يرتبط الإنتاج بخطط الطلب الفعلية لدى المصانع وسلاسل التجزئة.
هذه الآلية تقلل من المخاطر السعرية، وتمنح المزارع رؤية واضحة لعائده المتوقع، بدلًا من الدخول في دوامة عدم اليقين.
أضاف أنه يمكن تحويل مراكز التجميع الزراعية إلى وحدات امتياز تعمل بمعايير جودة معتمدة من شركات تصنيع كبرى، بحيث يديرها شباب مدربون من داخل المجتمع الريفي.
وبذلك يتحول مركز التجميع من حلقة تقليدية ضعيفة إلى حلقة احترافية تضمن الجودة والتسعير العادل، وتختصر المسافة بين المنتج والمصنع.
أما على صعيد التمويل، فإن ربطه بالإنتاج عبر عقود رقمية موثقة يتيح الإفراج المرحلي عن التمويل وفق التزام المزارع بالتوريد، وهو ما يعزز ثقة المؤسسات المالية ويقلل من مخاطر التعثر.
وفي الوقت ذاته، يمكن إنشاء صناديق استثمار ريفية تشاركية تُوجَّه للاستثمار في البنية التحتية لسلاسل القيمة مثل التخزين المبرد والنقل، فيتحول المجتمع المحلي من متلقٍ للدعم إلى شريك استثماري في التنمية.
وأوضح خبير الزراعة، أن القيمة الحقيقية لا تتولد في مرحلة الإنتاج فقط، فإن إدماج المزارع في التصنيع الأولي داخل التجمعات الزراعية يمثل نقلة نوعية.
فعندما يتم إنشاء وحدات صغيرة للتجفيف أو التصنيع الغذائي الأولي داخل القرى، ترتفع القيمة المضافة محليًا، ويزداد دخل المزارع، وتُخلق فرص عمل جديدة للشباب والمرأة الريفية.
كما يمكن إطلاق علامة تجارية وطنية خاصة بمنتجات صغار المزارعين المعتمدين بيئيًا، بما يفتح أسواقًا جديدة داخلية وخارجية، ويمنح المنتج الصغير قوة تسويقية جماعية تعزز قدرته التنافسية.
وفي هذا الإطار، يمكن للمدارس والمعاهد الزراعية أن تتحول إلى منصات ربط سوقي، لا تقتصر على التعليم النظري، بل تساهم فعليًا في إدارة الجودة والتسويق والتعاقد.
تابع أن الرؤية الاستراتيجية هنا تقوم على التحول من سياسة" حماية المزارع" إلى سياسة" تمكين المزارع اقتصاديًا".
فالحماية قد تضمن البقاء، لكن التمكين يضمن الاستدامة والنمو.
وعندما يتم دمج التكنولوجيا بالتمويل، وربط الإنتاج بالتصنيع، وإشراك المجتمع المحلي في الاستثمار، فإننا نعيد بناء سلاسل القيمة على أسس أكثر عدالة وكفاءة.
مضيفًا: " في تقديري، فإن نجاح هذه المنظومة يتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمؤسسات المالية، بحيث يعمل كل طرف في إطار تكاملي واضح.
فالدولة تهيئ البيئة التشريعية والتنظيمية، والقطاع الخاص يقود الاستثمار والتصنيع، والمؤسسات المالية تطور أدوات تمويل مبتكرة، بينما يتولى المجتمع المدني والتنظيمات التعاونية بناء قدرات المزارعين".
واختتم بأن تمكين صغار المزارعين من الاندماج في سلاسل القيمة ليس رفاهية تنموية، بل ضرورة استراتيجية لتحقيق الأمن الغذائي، وتعزيز العدالة الاجتماعية، ودعم الاقتصاد الوطني.
فكلما ارتفع نصيب المزارع من القيمة المضافة، زادت قدرته على التطوير والاستثمار، وتحولت الزراعة من نشاط معيشي محدود العائد إلى نشاط اقتصادي تنافسي ومستدام.
وهكذا، فإن المعادلة الجديدة يجب أن تقوم على مبدأ واضح.
من دعم المزارع إلى شراكته في خلق القيمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك