(دكتوراه الإذاعة والتليفزيون ـ كلية الإعلام جامعة القاهرة).
في كل مرة أفتح هاتفي لتصفح شبكة تواصل اجتماعي أجد أحدهم يعلنها بثقة مطلقة:
تتكرر العبارة حتى تبدو كأنها حقيقة مكتملة لا تحتاج برهانًا.
لكن خلف هذا الإعلان تظهر أمامي عدة تساؤلات:
هل القيمة لا تُرى إلا إذا وُضعت في المركز الأول؟متى تحوّل النجاح من رحلة اجتهاد إلى سباق تصنيف؟ومتى أصبح الترتيب شرطًا للاعتراف بالإنسان؟هل يوجد فعلًا “Number One” مطلق في أي مجال؟إن فكرة “الأول” تبدو بسيطة، لكنها اجتماعيًا ومعرفيًا شديدة التعقيد.
ففي أي مجال—الإعلام، الفن، البحث العلمي، أو حتى العمل العام—لا يقوم التقييم على معيار واحد، بل على شبكة معايير متداخلة:
• مؤشرات كمية (أرقام، نسب، جوائز).
هذه العوامل، مجتمعة أو متفرقة، تجعل السؤال الحقيقي ليس: من الأول؟بل: من وضع معيار الأول؟ وعلى أي أساس؟
عالم الاجتماع الفرنسي Pierre Bourdieu تحدث عن مفهوم “رأس المال الرمزي”، موضحًا أن الاعتراف لا يُمنح استنادًا إلى الكفاءة وحدها، بل يتشكل داخل شبكة من القوة والشرعية الاجتماعية.
بمعنى أدق: التتويج لا يحدث في فراغ… بل في سياق.
فما يبدو تفوقًا مطلقًا قد يكون نتاج منظومة كاملة من الظروف، لا مجرد موهبة فردية معزولة.
وهو ما يتفق معه Malcolm Gladwell في كتابه Outliers.
وحتى لو افترضنا وجود “Number One”، فهو أولٌ في لحظة زمنية محددة.
علم النفس الاجتماعي يفسر جزءًا من ذلك بما يُعرف بتأثير الهالة؛ حين تتحول الشهرة إلى عدسة تجعل الجمهور يفترض التفوق الشامل.
لكن الشهرة ليست دليلًا قاطعًا على الجودة، والجودة لا تضمن الشهرة.
وأين يبدأ الاستحقاق ويختلط بالظهور؟ما نعيشه اليوم ليس سباقًا نحو الإتقان… بل سباقًا نحو إعلان الإتقان.
إن المنصات الرقمية أعادت تعريف القيمة:
• الأكثر مشاهدة = الأكثر نجاحًا.
• الأعلى تفاعلًا = الأكثر تأثيرًا.
• الأكثر حضورًا = الأكثر أهمية.
لكن ماذا عن الذين يعملون في صمت؟عن أصحاب الأثر العميق غير المرئي؟عمن لا يجيدون فن الاستعراض، رغم إتقانهم لفن العمل؟
تخيلوا مجتمعًا كل فرد فيه “Number One”، من يقيّم من؟ ممن يتعلم؟ من يمنح الاعتراف لمن؟المفارقة أن ثقافة “Number One” لم تكتفِ بإعلان التفوق، بل جرّمت الاختلاف.
إذا سألت عن المعيار… فأنت كاره.
فجأة يتحول النقاش إلى تخوين، ويتحول المجتمع إلى ساحة إثبات دائم، ويتحول الإنسان إلى مشروع دفاع مستمر عن لقبه.
وفي خضم هذا السباق ننسى أن النقد جزء من الصحة المهنية، وأن الاختلاف ليس عداءً، وأن الأثر الحقيقي لا يحتاج ضجيجًا دائمًا ليبقى، وأن الحياة لا تقوم على قمة واحدة، بل على أدوار متكاملة.
وفي الختام، يبقى سؤالي الداخلي يتكرر:
لو لم أكن الـ Number One، هل يحق لي الوجود بينكم؟أم أن المجتمع لا يعترف إلا بمن يقف على القمة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك