تحل اليوم ذكرى انتصار العاشر من رمضان، يوم أن عبرت القوات المسلحة المصرية قناة السويس، ودمرت خط بارليف، وأعادت لمصر والعرب جميعًا العزة والكرامة.
وفي هذه المناسبة الوطنية العظيمة، يُلقي الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، الضوء على فضل الجندية في الإسلام، ويتحدث عن جنود وأبطال مصر باعتبارهم خير أجناد الأرض، كما يتناول حرب أكتوبر وكيف أسهمت بعض الدول العربية فيها، وذلك من خلال حلقات تُنشر تباعًا.
تضافرت نصوص شرعية محكمة، وقواعد فقهية راسخة، وإجماع آئمة العلم الذين يعتد بعلمهم، على شرف الجندية للدفاع عن الأرض والعرض والمال وأناط بهم واجبات من الرباط والجهاد معاً، فأما" الرباط" معناه المعاصر ملازمة الحدود لحمايتها وصيانتها.
وقد اتفق أئمة العلم على أن المراد بالرباط فى قوله تعالى" ورابطوا" ْ هو الملازمة فى سبيل الله، وأنه أصل الجهاد وفرعه، ويتضح ذلك فى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رباط يوم فى سبيل الله خير من الدنيا وما عليها".
ومما يلحق بالرباط: الحراسة، وكلاهما يتحققان فى الجيش والشرطة.
وأما" الجهاد" ومفهومه فيما نحن بصدده: مجاهدة العدو والظاهر بالقتال والدفاع للذود عن البلاد والعباد، وفضله عظيم، وحاصله: بذل الإنسان نفسه ابتغاء مرضاة الله – سبحانه – وتقرباً بذلك إليه، ويتحقق فى الجهاد المشروع، أما جرائم" البغى"، " الحرابة"، " الصيال"، فليست جهادا ولا رباطا، بل هي جرائم مخلة بالامن العام والدماء والأعراض والأموال، ولها عقوباتها الدنيوية المفصلة فى التشريع الجنائي الإسلامي بصفة عامة، وأبواب الحدود والجنايات على النفوس.
" والجيش والجندية جهاد مشروع فى الدين الحق، قال آئمة العلم: الذين يقاتلون الأعداء، قد بذلوا مهج أنفسهم.
والنصوص الشرعية في فضل الجندية (القوات المسلحة) كثيرة منها: قول الله عز وجل (وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ) وقوله تعالى (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ)، وقوله (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).
وجاء فى السنة النبوية المطهرة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المجاهد فى سبيل الله كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد فى سبيله بأن إذا توفاه يدخله الجنة، أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة).
وروي أن رجلا جاء إلى النبي فقال: (دلني على عمل يعدل الجهاد.
قال: لا أجده، ثم قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم فلا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟ ).
ويوضح الدكتور أحمد كريمة أنه: إذا علم هذا، فإن من أبشع وأفظع الجرائم، الاعتداء على الجند بتنوع رتبهم ومهامهم، لما فى ذلك مما قرره الفقهاء من" إرجاف، وتخذيل"، وهو ما يسبب مفاسد عظمى تلحق سلامة البلاد وأمن العباد.
ومفهوم الارجاف الشرعي والاصطلاحي، هو التماس الفتنة، وإشاعة الكذب والباطل للاعتنام به.
أما حكم الإرجاف الشرعي، فهو حرام وتركه واجب لما فيه من الإضرار بالمسلمين وفاعله آثم، قال تعالى: (لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا).
وروى أن رسول الله بلغه أن ناسا يثبطون الناس عن الجهاد فى سبيل الله، فبعث إليهم نفر من أصحابه، وأمرهم أن يحرقوا عليهم البيوت، ففعل طلحة بن عبيد الله ذلك.
ومضار الإرجاف تتمثل فى نشر الاضطراب بين الناس، لصدهم عن الرباط والجهاد، وترك البلاد عرضة لاحتلال الأعداء.
أما التخذيل كما يوضحه الدكتور كريمة، فهو تزهيد الناس فى حراسة البلاد وأمن العباد، وترك الجندية، وهو كالإرجاف فى العدوان الأثيم على الجيش، ومضاره منع الناس من النهوض للقتال، وترك الحراسة والجهاد، ويجب صد ومنع ومقاومة المرجفين والخذليين.
وقد ذمهم الشرع المحكم حيث قال تعالى: (وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ).
وعلى ضوء ما سلف يقول الدكتور أحمد كريمة: يحرم الاعتداء على الجند بالإرجاف والتخذيل والإشاعات والأباطيل لآثاره الخطيرة فى أمن البلاد والعباد، ويحرم الاعتداء عليهم بالجناية على النفس وما دون النفس لما هو معلوم من عصمة الدماء والأموال والأعراض.
ومما يدعو إلى الغرابة والنكارة تفوه قواد جماعات وفصائل الإرهاب والإرعاب ومنظرى العنف المسلح، وقواد مليشيات قطع الطرق ( الحرابة ) وتهديد السلام الاجتماعى والعام للبلاد ( البغى )، والتعرض للدماء والأموال والأعراض ( الصيال ) باستهداف واستحلال دماء ومنشآت الجيش والشرطة ومعروف أن الاستحلال تحليل ما حرمه الشرع المحكم ومؤداه إنكار ما يثبت وأشد الاستحلال القتل.
خلاصة ما ذكر: الجندية بتنوع رتبها فى الجيش والشرطة، شرف عظيم ومقام كريمم لها فى الدين توقير وإجلال، وتجب مساعدتهم وإعانتهم وتأييدهم على شتى المستويات الفردية والأهلية، الجماعية والحكومية.
وتحريم وتجريم إضعافهم وتخذيلهم لأضرار جسيمة تلحق بسيادة الدولة وأمنها الخارجي والداخلي بشائعات وأباطيل كالإرجاف والتخذيل.
وتحريم وتجريم الإعتداء على الجند مطلقا، سلما وحربا، سواء على أبدانهم أو منشآتهم ومؤسساتهم.
ويؤكد الدكتور كريمة أنه يجوز للجيش والشرطة مقاومة المعتدين عليهم بكل السبل، وأن المعتدين على الجيش والشرطة مرتكبون لجرائم ثلاثة هى: الحرابة والبغي والصيال، مستحقون – أى المعتدون ـ العقوبات الدنيوية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك