عند الساعة الثانية ظهرًا، انطلقت أكثر من 200 طائرة مصرية في ضربة جوية مركزة استهدفت مراكز القيادة والتحصينات وخطوط الإمداد، وتقدمت موجات العبور الأولى التي تجاوزت 80 ألف مقاتل خلال الساعات الأولى، ثم ارتفع العدد لاحقًا إلى نحو 220 ألف جندي عبروا قناة السويس خلال الأيام الأولى، محطمين خط بارليف الذي وُصف طويلًا بأنه الحاجز الذي لا يُكسر.
وخلال أقل من ست ساعات، فُتحت أكثر من ستين ثغرة في الساتر الترابي الذي بلغ ارتفاعه نحو 20 مترًا باستخدام مضخات المياه، وسقطت التحصينات تباعًا، وثُبتت رؤوس الكباري بعمق من 10 إلى 15 كيلومترًا شرق القناة، في عملية عسكرية دقيقة أربكت القيادة الإسرائيلية منذ اللحظة الأولى وأعادت التوازن العسكري إلى ساحة القتال.
هذه الصدمة انعكست بوضوح في أقوال القادة الإسرائيليين أنفسهم؛ فقد اعترف وزير الدفاع آنذاك موشيه دايان في الأيام الأولى للحرب بأن إسرائيل تواجه وضعًا صعبًا للغاية، وتحدث عن شعوره بأن" البيت الثالث لإسرائيل" في خطر، في إشارة إلى تهديد وجودي غير مسبوق منذ قيام الدولة.
بينما وصفت رئيسة الوزراء جولدا مائير الساعات الأولى بأنها من أصعب ما مرت به حكومتها، وأقرت لاحقًا بأن التقديرات الاستخباراتية كانت خاطئة، وأنهم لم يتوقعوا هذا الهجوم المنظم بهذا المستوى من التخطيط والدقة.
رئيس الأركان الإسرائيلي وقتها دافيد إليعازر تحدث عن لحظات حرجة جدًا واجهت فيها القوات الإسرائيلية انهيارًا في بعض القطاعات خلال الأيام الأولى، بينما أقر قادة عسكريون آخرون في مذكراتهم بأن عنصر المفاجأة المصري، والتنسيق المحكم بين المشاة والمدفعية وقوات الدفاع الجوي التي أسقطت عشرات الطائرات في الأيام الأولى، قلب حساباتهم رأسًا على عقب وأفقدهم زمام المبادرة.
في المقابل، كانت القيادة المصرية تُدرك طبيعة المعركة وحدودها؛ فقد أكد الرئيس أنور السادات أن الهدف هو تحريك الجمود وكسر حالة اللاسلم واللاحرب وفرض واقع جديد على طاولة التفاوض، بينما أوضح الفريق سعد الدين الشاذلي أن الخطة اعتمدت على استغلال الإمكانات المتاحة بدقة، والعمل داخل مظلة الدفاع الجوي المصري التي حدّت من التفوق الجوي الإسرائيلي ومنعت العدو من تكرار سيناريو 1967.
هذا التوازن بين الطموح والواقعية هو ما جعل العبور ناجحًا، وجعل المرارة الإسرائيلية أعمق؛ لأنه كشف خللًا في الثقة المفرطة التي سادت بعد 1967، وأثبت أن التفوق لا يُقاس بالسلاح فقط، بل بالإرادة والتنظيم والعقيدة القتالية.
الأرقام كانت جزءًا من هذه المرارة؛ فقد تكبدت إسرائيل في الأيام الأولى خسائر كبيرة في الدبابات والطائرات، واضطرت إلى تعبئة واسعة لما يقرب من 300 ألف من قوات الاحتياط خلال أيام قليلة.
ومع أن الحرب استمرت حتى وقف إطلاق النار في أواخر أكتوبر، فإن الأيام الأولى تحديدًا ظلت محفورة في الذاكرة الإسرائيلية كأيام صدمة وانكشاف، دفعت إلى تشكيل لجنة تحقيق عُرفت باسم لجنة أغرانات لمراجعة الإخفاقات الاستخباراتية والعسكرية وإعادة تقييم منظومة اتخاذ القرار.
إن العاشر من رمضان رسالة متجددة مفادها أن مصر حين تقرر تنفذ، وحين تبني تحمي.
فقد تحولت مرارة إسرائيل في أكتوبر إلى نقطة تحول استراتيجية أعادت التوازن للمنطقة، وأثبتت أن الغرور العسكري يمكن أن يسقط أمام التخطيط الدقيق والإيمان بالحق.
واليوم، وبينما تواصل مصر تعزيز قوة ردعها الشامل، فإن روح أكتوبر ما زالت حاضرة بروح الدولة التي لا تعتدي لكنها لا تقبل المساس بأمنها.
فالدولة التي تمد يد السلام تحمل، في الوقت ذاته، درع القوة.
وهكذا تبقى ذكرى العاشر من رمضان حلقة وصل بين عبور الأمس واستقرار اليوم، بين نصر صنعه رجال 1973 ومستقبل تصونه قوة رسختها الدولة المصرية على مدار السنوات الأخيرة؛ قوة تجعل أي عدو يعيد حساباته مرات قبل أن يُقدم على خطوة قد تكلفه أضعافها في ميزان الردع والحسابات العسكرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك