أنتزع نفسي من أخبار الحرب المؤلمة، وذلك الشعور بالخزي والغضب من أحوالنا، ومن صخب المسلسلات الذي لا يتوقف عن الهدير.
وأشرد قليلاً مع خبر صغير حزين.
أمس الأول رحلت الفنانة المصرية اليونانية «كيتي» عن عمر يقترب من المائة، وبعد 60 عاماً تقريباً من رحيلها عن مصر مع كثير من اليونانيين والأجانب الذين اضطروا إلى ترك البلد الذي وُلدوا وعاشوا فيه لأسباب قد نختلف في تقدير مدى صوابها السياسي والإنساني، ولكن كان من نتائجها آلام كثيرة لأفراد وعائلات، وخسائر كبيرة لمواهب في مختلف المجالات، بعضهم، على الأقل، لم يكن أقل وطنية وإخلاصاً عن سكان البلد الأصليين.
رحلت كيتي ويحزنني شخصياً أن آخر علاقة لها بمصر كانت رسالة صوتية بعثت بها إلى المصريين، عن طريق المخرج اليوناني المصري كوستاس فيرس، وهو أيضاً أحد اليونانيين المصريين، العاشقين لمصر، الذي رحل عنها في الستينات أيضاً.
و«فيرس»، بالمناسبة، كتب رواية عن مصر الأربعينات والخمسينات بعنوان «كوبرى الليمون» يحلم بتحويلها إلى فيلم منذ سنوات، وقد أتى إلى مهرجان القاهرة منذ عامين حاملاً هذا الحلم على كتفه، ولكن لم يزل المشروع يبحث عن شركة إنتاج متحمسة.
فهل هناك حياة لمن تنادي؟ !
كوستاس فيرس هو أيضاً عاشق متيم لـ«كيتي» وكان على تواصل معها، وقد قام بصنع مقطع فيديو من أعمالها مع رسالة صوتية كان يفترض أن تعرض في افتتاح أو ختام مهرجان القاهرة السينمائي منذ عامين، وقد تواصل أيضاً مع ابنتها التي كانت على استعداد للحضور لتسلم تكريم والدتها، ولكن ذلك لم يحدث لأسباب مؤسفة.
ولدت كيتي فوسكاتي في الإسكندرية في 1927، ثم انتقلت إلى القاهرة مبكراً لتعمل كراقصة في أشهر الملاهي المصرية آنذاك، ومع أسماء بقامة بديعة مصابني وببا عزالدين، وحققت شهرة كبيرة قبل أن تلتقطها السينما.
ومن المثير أن «كيتي» قد ظهرت في أكثر من 70 فيلماً مصرياً، معظمها كراقصة، وبعضها كراقصة وممثلة، بداية بـ«الغيرة»، 1946، وعمرها أقل من عشرين عاماً، وآخرها «العقل والمال»، 1965، قبل أن ترحل إلى اليونان وتعمل في بعض الأعمال اليونانية، كان آخرها فيلم بعنوان «نحو المجد من جديد» في الثمانينات، ثم اعتزلت وعزفت عن الظهور بعد ذلك.
اشتهرت «كيتي» بقوامها الأوروبي، ورقصاتها الشرقية ذات الأسلوب والإيقاع الغربي السريع والرشيق، وبخفة دم محببة تجلت في الأدوار التي قامت بتمثيلها، ومن أشهرها دور الجنية الراقصة في فيلم «عفريتة إسماعيل يس»، 1954، ومن الطريف أنها شاركت في العديد من أفلام إسماعيل يس بعدها، كممثلة في أدوار صغيرة أو كراقصة فقط.
ما زلت أحتفظ بالمقطع الذي صنعه كوستاس فيرس بصوت «كيتي»، وسوف أستأذنه للحصول على موافقته على عرضه في أقرب فرصة.
وأحب أن أختم بحكاية عبرة سبق أن رويتها أكثر من مرة، ولكن لا بأس من روايتها مجدداً: كوستاس فيرس، كما ذكرت، من اليونانيين الذين ولدوا في مصر، وكان في شبابه من أكبر المتحمسين للنقاء العرقي الهيلليني (اليوناني) ولفكرة إحياء القومية اليونانية.
وعندما هاجر من مصر راح يبحث عن أصوله الإغريقية القديمة ليكتشف أن جدوده الاثنين سوريان هاجرا إلى قبرص وتزوجا هناك في بداية القرن الماضي!
«فيرس» سوري بقدر ما هو يوناني وبقدر ما هو مصري لم يزل يعتز بجذوره المصرية ويحن إلى زيارة مصر في كل مناسبة.
و«كيتي» لم تكن أقل منه مصرية بل أكثر، لأنها عاشت ونجحت واشتهرت وأحبت وتزوجت في مصر، وكان يمكن أن يكون لديها أبناء وأحفاد مصريون.
«كيتي» مصرية بقدر ما هي يونانية، ويفترض أن نكرم اسمها وذكراها بأكثر من طريقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك