في زمن أصبحت فيه المعلومة تنتقل بضغطة زر، لم تعد الشائعة تحتاج إلى أيام لتنتشر، بل تكفي دقائق لتصل إلى آلاف الأشخاص.
ومع هذا التسارع، تتضاعف المسؤولية الأخلاقية والشرعية على كل فرد في المجتمع، لأن نقل الخبر لم يعد عملاً عابراً، بل أمانة يُسأل عنها الإنسان أمام الله وأمام الناس.
الشائعة هي خبر يُتداول دون التحقق من صحته، وغالباً ما يحمل في طياته قدراً من المبالغة أو التحريف أو الكذب.
وقد يكون الهدف منها إثارة الجدل، أو التشهير، أو تحقيق مكاسب شخصية، لكن نتيجتها في الغالب واحدة: إرباك المجتمع وزعزعة الثقة ونشر القلق بين الناس.
جاء الإسلام بمنهج واضح في التعامل مع الأخبار، يقوم على التثبت قبل التصديق أو النشر.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
وهذه الآية تؤسس لقاعدة عظيمة في الإعلام والتواصل: لا تقبل خبراً حتى تتحقق من مصدره ومصداقيته.
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36].
أي لا تتبع ولا تنقل ما لا تعلم صحته.
وهي دعوة صريحة لضبط اللسان والقلم، وعدم الانجراف خلف كل ما يُتداول.
«كفى بالمرء كذباً أن يُحدِّث بكل ما سمع» رواه مسلم.
فالإنسان قد يقع في الكذب من حيث لا يشعر، بمجرد تكرار ما يسمعه دون تمحيص.
حادثة الإفك التي تعرّضت لها أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها، تُعد نموذجاً تاريخياً لخطورة الشائعة حين تنتشر دون تحقق.
فقد تناقل بعض الناس خبراً باطلاً، فأنزل الله آيات من سورة النور تبرئها، وتُحذّر من إشاعة الفاحشة، وتؤكد أن ما يُستهان به عند الناس قد يكون عظيماً عند الله.
الشائعة لا تضر فرداً واحداً فقط، بل قد تمس الأمن الاجتماعي والاقتصادي.
فخبر غير دقيق عن مؤسسة قد يؤثر على سمعتها، وإشاعة صحية قد تثير الذعر، ومعلومة مغلوطة عن قرار رسمي قد تخلق حالة من البلبلة.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح كل شخص مشروع “ناشر”، سواء أدرك ذلك أم لا.
الواجب اليوم أن نُحسن اختيار مصادرنا، وأن نعتمد على الجهات الرسمية والحسابات الموثوقة، وألا نُسهم في نشر ما يثير الفتنة أو يسيء للآخرين.
فإعادة الإرسال ليست عملاً محايداً، بل مشاركة فعلية في النشر.
كما أن المؤسسات الإعلامية مطالبة بتعزيز ثقافة التحقق، وتوعية المجتمع بخطورة تداول الأخبار المجهولة، وترسيخ مبدأ “المعلومة مسؤولية”.
الشائعة قد تبدأ بكلمة، لكنها قد تنتهي بضرر كبير.
والتثبت ليس ترفاً أخلاقياً، بل واجب شرعي وسلوك حضاري.
وبين سرعة التقنية وحكمة الشريعة، يبقى الخيار بأيدينا: إما أن نكون جسراً للحقيقة، أو أداة لنشر الوهم.
والوعي هو خط الدفاع الأول… فلنحسن استخدامه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك