كل وطني مخلص يتطلع لمستقبل أفضل لمصر، ولنفسه وأبنائه أيضًا، ولنفسه هذه لا تتعارض مع الوطنية، إن لم تكن مكملة لها.
لكن الطريق إلى المستقبل ليس مفروشًا بالورود، أو خالٍ من الصعاب، وهناك أسئلة مشروعة وإشكاليات عميقة، لابد من طرحها للنقاش العام.
ومن أبرز الانتقادات الموجهة للسياسة الاقتصادية للحكومة، ما يثيره البعض حول طبيعة الاستثمارات التي تعتمد عليها الدولة لسد العجز التمويلي، وهل هي شراكات تنموية حقيقية تخلق قيمة مضافة، أم مجرد صفقات لبيع أصول استراتيجية مقابل سيولة عاجلة؟في السنوات الأخيرة، برز الشريك العربي كلاعب رئيسي في المشهد المصري، عبر صناديق استثمارية ضخمة، وطرح السؤال نفسه: هل تمثل هذه الاستثمارات فرصة تاريخية لتنمية حقيقية، أم أنها مجرد استغلال لفرصة فرضها الوضع الاقتصادي الصعب الذي أضعف شروط التفاوض؟التجارب الدولية تقدم إجابات مختلفة، فالمملكة المغربية - على سبيل المثال - استطاعت تحويل الاستثمارات الأجنبية إلى قاعدة تصديرية في صناعة السيارات والطاقة المتجددة، وكوريا الجنوبية فرضت شروطاً صارمة لنقل التكنولوجيا وتوظيف العمالة المحلية.
في المقابل، ثمة مخاوف من أن بعض الاستثمارات في مصر قد تسير في اتجاه بيع الأصول الاستراتيجية مقابل سيولة آنية، دون شروط كافية لضمان نقل التكنولوجيا، أو إعادة استثمار الأرباح محليًا.
هذه الإشكالية تحديدًا تمثل جوهر الجدل الدائر حول مفهوم «الجمهورية الجديدة»: هل هي بالفعل مشروع تنموي شامل ينتج قيمة مضافة، أم أنها مجرد واجهة لسياسات تدير الأزمة يوماً بيوم؟الحكومة ‐ وأي حكومة أخري - ملزمة بالتوضيح، وإن ظلت الأسئلة بدون إجابات، ستظل الحكومة محل شك، وثقة المواطن فيها منتزة.
وللتذكرة.
الرئيس عبد الفتاح السيسي كررها كثيرًا: «صارحوا الناس، ووضحوا الحقائق».
ويبقى الرهان الأكبر على قدرة الدولة في إدارة هذه اللحظة العصيبة بشفافية مع الرأي العام، ليس عبر التقليل من حجم العبء، ولكن بشرح أسبابه وحدوده، والمسار المتوقع لتجاوزه، ففي النهاية، الأمم لا تُبنى في سنة أو سنتين، ولا تقاس نجاحاتها بصخب الأرقام الآنية، بل بقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، والضغوط إلى دوافع للتغيير.
ومصر التي تقف اليوم بين نار اللحظة وطموح المستقبل، تختبر صلابة إرادتها الوطنية، وقدرتها على صناعة الغد بيد لا ترتعش.
ومن الإنصاف في تقييم تجربة الدولة المصرية اليوم هو النظر إليها ككيان يخوض معركة على جبهتين في وقت واحد، جبهة الداخل بضغوطه الاقتصادية والاجتماعية، وجبهة الخارج بمخاطره الجيوسياسية المتصاعدة.
في هذه المعركة، لا مكان للرفاهية النظرية، وإنما للقدرة على المناورة والابتكار في إيجاد الحلول.
الضغوط التي تمر بها مصر حقيقية وملموسة، ولا يمكن إنكارها أو التغطية عليها.
لكن ما يميز هذه المرحلة، كما تقول الحكومة بنفسها، هو «الاتجاه» وليس الأرقام المجردة، ومعها جهود ملموسة للانتقال من الاعتماد على الديون قصيرة الأجل إلى شراكات استثمارية أطول أمدًا، ومن الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي، ومحاولة الخروج من مربع إدارة الأزمة إلى افق بناء المستقبل.
الدولة المصرية تقف اليوم عند مفترق طرق دقيق، لا يحتمل اختزال الخيارات ولا تأجيل القرارات.
ضغط اللحظة واقع لا يمكن تجاهله، لكنه لا يجب أن يتحول إلى قدر دائم.
وصناعة المستقبل ليست شعارًا إنشائيًا، بل عملية شاقة تتطلب رؤية، وصبرًا، وشراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع.
والرهان الأساسي يظل على قدرة الدولة المصرية على تحويل التحديات الراهنة إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة وقدرة على الصمود، مستقبل لا يدار برد الفعل، بل يصنع بالفعل الواعي والتخطيط الرشيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك