على الرغم من أن صلاح أبوسيف كسينمائي ومخرج حمل لقب «أبوالواقعية في السينما المصرية»، وعلى الرغم من ارتباط جمال الليثي به كصديق منذ دخوله المجال السينمائي فلم يعمل معه كمخرج إلا في فيلمين.
أولهما هو «القاهرة 30».
وكما روى لي جمال الليثي: كان نجيب محفوظ قد كتب «القاهرة 30» كرواية ونشرها تحت عنوان «القاهرة الجديدة».
وكانت الرقابة على السينما في فترة من الفترات قد صادرت منها سيناريو معداً عنها، لكن صلاح أبوسيف كان مقتنعاً بها وكان يبذل محاولات دائبة مع الرقابة على السينما لكي توافق له على إخراجها، وقد استطاع جمال الليثي، وهو رئيس شركة القاهرة للإنتاج السينمائي، إحدى شركات القطاع السينمائي، التابع للدولة، أن يزيل كل العقبات وأن يحصل على التصريح بإنتاج الفيلم من الرقابة.
كان نجيب محفوظ في روايته قد وضع يده على انحرافات وزير من الوزراء وحياته السرية وفضائحه واستغلاله نفوذه ومكانته كوزير، وقد مثّل الدور بتفوق الفارس الراحل أحمد مظهر الذي خنق طموحات مجموعة من الشباب وسعيهم إلى حياة أفضل، ومنهم عبدالعزيز مكيوى الذي يعتنق الماركسية، ويحب فتاة فقيرة مثله هي سعاد حسنى، وأبوها توفيق الدقن يملك كشكاً صغيراً ليبيع السجائر والصحف، وأمها نعيمة الصغير تحلم بأن تكون الابنة الجميلة هي جواز المرور إلى حياة ناعمة مرفهة لهذا وقفت ضد الحب الذي ربطها بالشاب الحالم بمستقبل أفضل، وتتكامل خيوط اللعبة بحمدى أحمد، الفتى القروى الذي تخرج في الجامعة في ظل حياة مجدبة قوامها القروش التي يتلقاها من أبيه الفلاح بشق النفس، وأحد بلدياته الذي استطاع أن يشق طريقه ليصبح مدير مكتب هذا الوزير الغارق في الرذيلة، وعندما تدفع بنت الحارة الجميلة الفقيرة دفعاً إلى أحضان الوزير ينسحب من البيت ليخلو الرجل الكبير إلى ملذاته.
ويندفع الحبيب المهجور الذي تركته الفتاة لكى تسقط إنقاذاً لأسرتها من الفقر والجوع، ويندفع إلى الثورة، ويكتب المنشورات الثائرة ضد الوزير والحكومة ويذهب إلى محطة السكك الحديدية ليلقى باقى المنشورات في الهواء لكى تتلقفها أيدى الناس.
في نفس الوقت تهتدى زوجة الوزير عقيلة راتب إلى البيت الذي فيه الفتاة وتتسبب لزوجها الوزير في فضيحة مدوية.
كان صلاح أبوسيف قد حضر أحداث الفيلم في مطلع الثلاثينات، واختار له اسم «القاهرة 30» وهي فترة حكم إسماعيل صدقى باشا التي ألغى فيها الدستور وألغى مجلس النواب وحكم مسنوداً من القصر والاحتلال الإنجليزى ونكّل بكل أطياف القوى الوطنية واسم البلد إلى حياة الرذيلة والفساد، وكان من الطبيعى أن تقوم ضده الثورات وتحاربه وتندد به المنشورات لا في القاهرة وحدها بل في أقاليم مصر كلها، وكان المشهد الأخير؛ القاهرة 30 والمنشورات التي تتطاير فوق الرؤوس في محطة مصر شيئاً واقعياً وطبيعياً جداً كى ينهي به صلاح أبوسيف الفيلم.
وكما روى لى جمال الليثى فقد كان صلاح أبوسيف قد أعد المنشورات وطبعوها في مطبعة المعهد العالى للسينما ثم نُقلت إلى مكان التصوير لتنفيذ المشهد وانتهي تصوير الفيلم وبدأوا تجهيزه للعرض.
وذات يوم فوجئ جمال الليثى بتليفون من وزير الثقافة أيامها الأستاذ سليمان حزين يستدعيه إلى مكتبه على عجل، وما إن جلس إليه حتى سأله: «إيه حكاية المنشورات اللى بيقولوا انك طبعتها ووزعتها في باب الحديد؟ ».
وشرح له جمال الليثى أن المنشورات التي يقصدها مطبوعة في معهد السينما لكى يصورها صلاح أبوسيف في مشهد من مشاهد فيلم «القاهرة 30» وهو فيلم قطاع عام ومصرح به من الرقابة، وعبارات المنشور، الذي يتحدث عنه، مجازة من الرقابة وتتلاءم مع أحداث القصة التي تجرى في أوائل الثلاثينات ولا علاقة لها بهذه الفترة، وكما روى لى جمال الليثى فقد عرض عليه أن يذهبا معاً لكى يرى المشهد في ختام الفيلم.
وذهب معه فعلاً إلى معامل مدينة السينما، وشاهدا معاً المشهد الخاص بتطاير المنشورات فوق رؤوس الناس ثم عادا إلى مكتبه لكي يتصل برقم تليفون معين، وسمعه جمال الليثى، على حد قوله، يتحدث إلى الرجل على الطرف الثانى من الخط لكى يشرح حكاية المنشورات وطبعها، ووجودها في فيلم «القاهرة 30»، وبعد أن انتهي سمع الرجل على الطرف الثانى من الخط يقول: «كويس.
بس نبّه عليه ما يعملش كده تانى».
وقال لى جمال الليثي: ولم أكن في حاجة إلى كثير من الذكاء لأعرف شخصية الرجل الذي كان يحادثه وزير الثقافة سليمان حزين.
بالطبع كان صلاح نصر، مدير المخابرات وقتها، ولم يكن هناك ما يجعل مساراتنا تتعارض، ولم أتعامل معه إلا مرة واحدة عندما أنتج أخى الأصغر ممدوح الليثى فيلم «الكرنك» الذي مثلته سعاد حسنى ولعب فيه كمال الشناوي دور رئيس المخابرات وحصل صلاح نصر على أمر من المحكمة بوقف عرض الفيلم، وأرسل الأمر إلى مقر شركتي على اعتبار أننى منتج الفيلم، وأخفيت الإعلان إلى أن عُرض الفيلم ثم أعلنت أن لا علاقة لي بإنتاج فيلم «الكرنك».
مع جاجارين وفالنتينا في كارلو فيفاري.
اختير فيلم «القاهرة 30» ليمثل مصر في مهرجان كارلو فيفارى في تشيكوسلوفاكيا.
ودُعى جمال الليثى مع صلاح أبوسيف ليكونا ضيفين على المهرجان، وكان الفيلم محل اهتمام خاص من الدول الاشتراكية التي تدور في فلك الاتحاد السوفيتى، على اعتبار أنه فيلم يسارى وبطله يعتنق الماركسية.
وكانت مصر في تلك الفترة، في منتصف الستينات، من الدول التي ترتبط بصداقة مع السوفيت، وكانت تشيكوسلوفاكيا بالذات هي التي نفذت صفقة السلاح السوفيتى الشهيرة إلى مصر.
وكانت العلاقات بينها وبين مصر على خير ما تكون، وكسب «القاهرة 30» شعبية كبيرة في أروقة المهرجان، بل وبدأوا يتلقون عروضاً لتوزيعه في أوروبا الشرقية من خلال موزع مصري مقيم هناك.
وروى لي جمال الليثى ذكرياته عن ختام ليلة المهرجان، وكما قال لي؛ فقد شهد منتجع كارلوفيفارى، أجمل مكان في تشيكوسلوفاكيا، حفل استقبال ضخماً للوفود التي مثّلت بلادها في المهرجان.
وقد حضر الحفل مع صلاح أبوسيف، وهما في طريقهما إليه فوجئا بمجموعة من الحسناوات الفرنسيات، والرجال الفرنسيين الأكثر أناقة، جاء بهم الوفد الفرنسى في المهرجان، وكان الرجال يستقبلونهما بأيدٍ امتدت بعلب سجائر «دموريه»، أشهر السجائر الفرنسية وقتها، والنساء الجميلات يوزعن البارفانات والعطور الفرنسية الشهيرة.
ولم يكادا يستقرا في الحفل حتى فوجئا بالوفد الروسي يدخل مكان الحفل وقد اصطحب رائد الفضاء الشهير يورى جاجارين، أول رائد فضاء في العالم، وهو يتأبط ذراع زميلته فالنتينا، أول امرأة صعدت إلى الفضاء، وأول رائدة فضاء في العالم، ولم تكن هذه مفاجأة، فقد كانت مصر قد استضافت رائد الفضاء يوري جاجارين وجاء يزورها ويلتقى بالقادة جمال عبدالناصر وصلاح سالم وكمال الدين حسين، بل حضر جمال الليثى حفلاً أقامه على شرف كمال الدين حسين وتعرّف عليه أيامها.
كان بين أعضاء وفود المهرجان النجمة الشهيرة شيرلي ماكلين.
نجمة هوليوود ذائعة الصيت وصاحبة الشعبية في مصر بأفلامها مثل «فتاة الجيشا» و«كانكان» و«شقة العازب»، تقدم إليها لكى يطلب مراقصتها وقبّل يدها وقادها إلى حلبة الرقص وحدّثها عن شعبيتها الكبيرة بين جماهير السينما في مصر، خاصة بعد فيلمها «فتاة الجيشا».
وفيه يحبها زوجها على أنها يابانية وهو يجهل أنها نفسها زوجته التي تختفي وراء ثياب فتيات الجيشا ومكياجهن المعروف.
وكما روى لى جمال الليثى فلقد انتابه الحزن عندما شاهد على شاشة التليفزيون فيلماً مصرياً مقتبساً من فيلم شيرلى ماكلين.
قامت ببطولته ليلى طاهر وصلاح ذو الفقار.
وكما قال لى فقد كان ترجمة رديئة لفيلم «فتاة الجيشا» يقدم ليلى طاهر زوجة لصلاح ذو الفقار، تضع فوق رأسها باروكة شقراء فتتحول إلى فتاة يونانية تخطف قلبه بعربيتها المكسّرة وتشترط أن يطلّق زوجته المصرية إذا أراد أن تحبه، ويعود إلى بيت الزوجية فإذا زوجته المصرية.
هي ذاتها ليلى طاهر.
بشعر أسود وملامح مصرية، وعلى حد تعبيره فقد كان «تهريج في تهريج».
أما فيلمه الثاني الذي أنتجه من إخراج صلاح أبوسيف فهو فيلم «الزوجة الثانية»، الذي مثّلت بطولته سندريلا الشاشة سعاد حسنى أمام شكرى سرحان وصلاح منصور وسناء جميل.
القصة كانت للكاتب الروائى أحمد رشدي صالح، زوج السيدة اعتدال ممتاز، التي كانت مديرة الرقابة على المصنفات الفنية.
القصة تحكى عن عمدة مستبد في إحدى قرى القليوبية يشتهي فلاحة جميلة شابة، ويسعى لتطليقها من زوجها الفلاح الفقير المعدم، ويريد أن يتزوجها على زوجته العاقر لكي تلد له ولداً، وهو من أنجح أفلام صلاح أبوسيف.
وكما روى لي جمال الليثى؛ فلقد انتقلوا إلى قرية في القليوبية كان العمدة فيها شقيق الصحفي الفنى المعروف حسن إمام عمر ونزلوا عليه ضيوفاً طوال مدة التصوير، وكان مثل أخيه ليس غريباً على الوسط الفنى وفي كل يوم كانت مائدة الإفطار تحفل بالفطير المشلتت والعسل الأبيض والزبد الفلاحى والقشدة والجبن، وكانت سعاد حسنى تأكل بشهية وشراهة كأنها لم تأكل في حياتها، أما مائدة الغداء فكانت عادة تحفل بالمحمر والمشمر، كما يقول أهل الريف، من لحوم ودجاج وديوك رومى، وكان العمدة المحب للفن قد استعد لاستضافة مجموعات التصوير في الأفلام المصرية ونجومها.
فعل هذا مع فريد الأطرش وسامية جمال، وفعله معهم في تصوير «الزوجة الثانية»، وفعله مرة ثالثة مع شادية ومحمود مرسى ويحيى شاهين في «شىء من الخوف».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك