عمان- وجه شاحب، وشفاه جافة وإرهاق شديد؛ دفعت معلمة الصف الثاني في إحدى المدارس إلى إجبار طفل (7 سنوات) على أن يوقف صيامه ويتناول بعضا من البسكويت والعصير، وأن يوقف صيامه حالا.
اضافة اعلان.
تقول المعلمة إن مظاهر التعب الشديد والعطش بدت واضحة على معالم الطفل، الذي أخبرها أن جميع أفراد أسرته يصومون ويحاول أن يكون مثلهم، على حد تعبيره، وأن والدته طلبت منه ذلك حتى يتعود على صيام رمضان مبكرا.
ومع قدوم رمضان، وتبدأ أجواء الصيام في البيوت، يتسابق الأطفال إلى إثبات قدرتهم على الصوم بين أقرانهم، مهما كانت الظروف، بل ويتنافسون فيمن يستطيع الصمود حتى وقت أذان المغرب، من خلال بعض" الدلائل الطفولية البريئة"، مثل جفاف الفم وجفاف الجلد.
لكن الأخطر قد يكون حين يُجبر الطفل على الصيام من قبل الأهل أو المحيطين به، من أقارب أو حتى بعض المعلمين، ممن يحمسون الأطفال على تجربة الصيام، ما قد يؤدي إلى مخاطر صحية، قد تكون جسيمة في بعض الأحيان.
إيمان يعقوب، وهي أم لأطفال في مرحلة مبكرة من العمر، تقول إن تعويد الأطفال على الصيام أمر جيد، لكن على أن يكون بالتدريج ودون إجبار، بحيث يتعلم الطفل التحمل والصبر، مهما كان عدد ساعات الصوم التي استطاع أن يؤديها في اليوم.
وتؤكد أن الأفضل أن تكون تلك التجربة دون إجبار من الأهل، حتى لا يخاف الطفل من التعبير عن رغبته في الإفطار إذا أراد ذلك.
مراقبة صوم الأبناء ممن دون سن العاشرة.
وبعد أن لاحظت وجود العديد من التنبيهات من قِبل أطباء مختصين، وحتى من" رجال دين"، تتناول مدى مراعاة الأطفال في الصيام وعدم إجبارهم عليه، تقول آية حميدان إنها ستحاول جاهدة مراقبة صوم أبنائها ممن هم دون سن العاشرة، وذلك خوفا من حدوث أي طارئ صحي لهم، مع الاستمرار بالحديث عن رمضان وأهمية الصوم في الوقت المناسب.
لكن قد تكون إحدى الحوادث القديمة التي تعرض لها" ابن الجيران"، كما يقول الشاب محمد سمحان، وهي من الحالات التي لا ينساها، بعد تعرض ابن جيرانهم لغيبوبة شديدة قبل عدة سنوات، قبيل موعد أذان المغرب بدقائق.
وقد علم من أهله لاحقا أن صيامه، وهو في سن السابعة آنذاك، كان له دور في حدوث هبوط حاد في السكر أفقده الوعي بشكل كامل.
تدريب الأطفال على الصيام تدريجيا.
ومع تكرار صيام الأطفال في سنوات مبكرة من العمر، باتت العديد من الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تتناول هذا الموضوع بجانب من الجدية، ومحاولة شرح كيفية وتوقيت صيام الأطفال، خاصة ممن هم دون العاشرة من العمر، حيث يجمع الغالبية العظمى على أن صيامهم قبل ذلك لا يجوز أن يكون بشكل عشوائي.
توصي اختصاصية التغذية العلاجية رُبى العباسي بتدريب الأطفال على الصيام بشكل تدريجي لاختبار قدرتهم؛ لأن الأطفال في الفئة العمرية نفسها يختلفون في قدرتهم على التحمل، فهناك من يستطيع الصيام دون مشاكل، وآخرون في العمر ذاته لا يستطيعون، لذلك لا بد من مراعاة الفروق الفردية.
وتبين العباسي أن الأولوية صحيا دائما للنمو السليم، فإذا كان الطفل يعاني من النحافة المفرطة أو السكري أو نقص الحديد، أو أي مشكلة قد تتأثر بنقص الغذاء، فيجب الحذر.
ويمكن عندها البدء بالتدريب بشكل تدريجي ومدروس، وليس بصيام يوم كامل دفعة واحدة.
يبدأ الطفل مثلا بصيام نصف يوم، ثم يُقيَّم تحمله قبل الانتقال إلى يوم كامل.
الاهتمام بوجبتي السحور والإفطار.
ومن المهم جدا، وفق العباسي، الاهتمام بوجبتي السحور والإفطار.
فإذا كان الطفل يتحمل الصيام لكنه لا يأكل جيدا وقت الإفطار والسحور، فلا يُنصَح أن يصوم في اليوم التالي؛ لأن ذلك قد يؤثر في نموه.
أما إذا كان يُعوِّض جيدا ويتناول وجبات متكاملة، فغالبا يستطيع الجسم تنظيم احتياجاته.
كما يجب أن تتأكد الأم من أن غذاء الطفل متوازن، وليس معتمدا فقط على المقالي والحلويات، بل يشمل الفواكه والخضار والسلطات والبروتين.
كما يفضل تقديم كميات مناسبة لقدرة الطفل حتى يتمكن من إكمال وجبته دون امتلاء سريع.
ولكون الصيام في مرحلة مبكرة جدا له العديد من المخاطر الصحية على الأطفال، يبين استشاري طب الأطفال وحديثي الولادة وأخصائي غدد وسكري الأطفال الدكتور يزن المقدادي أنه لا يفضل صيام الأطفال الأصغر سنا، خاصة من هم دون الثالثة عشرة، حتى وإن كان مستوى السكر لديهم منضبطا.
كما لا يسمح بالصيام للأطفال الذين لم يكن السكر التراكمي لديهم منضبطا خلال العامين الأخيرين، وكذلك الأطفال الذين لا يملكون القدرة على المتابعة الدقيقة، كمن لا يستخدمون أجهزة الاستشعار، أو من لا يحظون بمتابعة مستمرة من الأهل.
هؤلاء جميعا قد يكون الصيام خطرا عليهم، إذ يعرضهم لمضاعفات قد تتعلق بمرض السكري، سواء من حيث ارتفاع مستوى السكر وما قد يرافقه من حموضة في الدم، أو من حيث الانخفاض الحاد في مستوى السكر.
لذلك ينصح بأن يعيشوا حياتهم بشكل طبيعي خلال شهر رمضان دون صيام، حفاظا على سلامتهم.
ويشير المقدادي إلى أن الفئة التي يمكن النظر في إمكانية صيامها هي من يكونون في أعمار أكبر، شريطة أن يكون مستوى السكر لديهم منضبطا بشكل جيد.
ويقصد بذلك، كما يبين المقدادي، أن تكون نسبة السكر التراكمي لديهم خلال العامين الأخيرين أقل من سبعة، وأن يكونوا تحت مراقبة دقيقة، سواء من قبل الأهل أو من خلال استخدام أجهزة الاستشعار المستمرة لقياس السكر، بحيث يمكن متابعة أي ارتفاع أو انخفاض في مستوى السكر على مدار اليوم.
وبشكل عام، لا نسمح للأطفال المصابين بالسكري من النوع الأول بالصيام، ولا نفضل لهم ذلك، لأن الصيام قد يترتب عليه آثار سلبية خلال ساعات النهار؛ فالصيام يزيد من احتمالية الإصابة بحموضة الدم، ويرفع خطر التعرض للجفاف، لذلك نوصي عادة بعدم صيام هؤلاء الأطفال حفاظا على صحتهم.
لكن لا يقتصر خطر الصوم فقط على الأطفال الذين يعانون من أمراض معينة، بل إن جميع الأطفال يجب أن يكون صيامهم تحت إشراف الأهل ومراقبتهم، والأفضل أن يتم منعهم من الصيام عند وجود أي أعراض غير آمنة، ولا ضير من صيامهم لساعات محدودة" تحت المراقبة".
وهنا تبين العباسي أنه إذا استطاع الطفل الحصول على غذاء متوازن خلال فترة الإفطار والسحور، وكان سليما وقادرا، فلا ما نع من صيامه بإشراف الأهل، وفي العيادة نتابع بعض الأطفال بفحوصات مثل فيتامين د والحديد وغيرها للاطمئنان.
وتنصح العباسي كذلك بتقليل النشاط البدني المجهد؛ فلا يُنصح بالرياضات العنيفة أو الجري لفترات طويلة، لأنها تزيد فقدان السوائل وقد تسبب التعب.
كما يجب أن تكون الأم متابعة للطفل عن قرب، خاصة في الأعمار الصغيرة (مثل 6–8 سنوات)، مع التركيز على شرب كمية كافية من السوائل بين الإفطار والسحور.
وفي النهاية، تؤكد العباسي أن التدريب التدريجي والتغذية المتوازنة والمراقبة الجيدة، وتقليل الجهد البدني، هي مفاتيح صيام صحي وآمن للأطفال.
وبحسب فتوى دائرة الإفتاء العام الأردنية رقم (4084) الصادرة بتاريخ 22-01-2026، فإنه لا يجب الصوم على الطفل حتى يبلغ، ويُعرَف البلوغ بظهور علاماته المعروفة، أو بلوغ خمسة عشر عاما قمريا.
وأكدت الفتوى أنه يجب على الولي أن يأمر أطفاله بالصوم متى بلغوا سن التمييز، وهو السابعة من العمر، إذا كانوا قادرين على ذلك، على سبيل التدريب والتعويد، والله تعالى أعلم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك