في ظل تصاعد التوترات العسكرية في الخليج وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، تواجه قطر، أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم بحصة تقارب 18- 19% من التجارة العالمية، اختباراً استثنائياً يتعلق بقدرتها على ضمان استمرارية الإمدادات للأسواق الآسيوية والأوروبية.
ورغم اعتمادها الجغرافي شبه الكامل على مضيق هرمز ممراً تصديرياً، فإن الدوحة لا تقف بلا أدوات، بل تمتلك حزمة بدائل تجارية ولوجستية ومالية تهدف إلى تقليل أثر أي تعطل طويل الأمد.
وعلقت شركات شحن الملاحة عبر الخليج العربي ومضيق هرمز، في خطوة من شأنها إبطاء حركة الإمدادات البحرية أكثر في المنطقة، ويأتي الإعلان فيما بعث الحرس الثوري الإيراني، أول أمس السبت، برسائل لاسلكية إلى سفن يحذرها من دخول مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي للملاحة العالمية الذي قد" أُغلق بحكم الأمر الواقع".
يقول الكاتب والمحلل الاقتصادي حسن أبوعرفات، لـ" العربي الجديد" إنّ إغلاق مضيق هرمز الكامل لم يحدث تاريخياً، لكن مجرد التلويح به كان كافياً في كل مرة لإشعال المخاوف ورفع الأسعار إلى مستويات حادة، مع قفزة في أقساط التأمين وكلفة النقل البحري.
من زاوية قطر تحديداً، يوضح أبو عرفات أن موقعها كأحد أكبر مصدّري الغاز الطبيعي المُسال في العالم يمنحها وضعاً مختلفاً عن الدول المستوردة للطاقة، فارتفاع أسعار النفط والغاز في سيناريو التصعيد المحدود يعني، في المدى القصير، زيادة في إيرادات الصادرات، ودعماً للميزانية العامة، وتعزيزاً للفوائض التجارية والاحتياطيات النقدية، كما أن اضطراب الإمدادات من بعض المنتجين قد يدفع المستهلكين الكبار إلى توطيد عقودهم مع موردين أكثر استقراراً، وهو ما يفتح أمام قطر فرصة لتوطيد مكانتها في سوق الغاز العالمية.
لكن أبو عرفات يحذر في الوقت نفسه من الصورة الوردية المفرطة، فحتى دون إغلاق تام لـ" هرمز"، يكفي ارتفاع منسوب التهديد العسكري لرفع كلف التأمين والشحن، ما ينعكس على أسعار الواردات والسلع الاستهلاكية، ويضغط على القطاعات غير النفطية.
وفي سيناريو تصعيد محدود زمنياً وجغرافياً، وهو الأرجح برأيه، تُسجّل قطر والمنطقة مكاسب مالية من ارتفاع الأسعار، لكن مع كلفة موازية في سلاسل الإمداد والإنفاق الاستهلاكي، وإن ظلّت المشاريع التنموية الكبرى في الدوحة قادرة على الاستمرار بفضل قوة الملاءة المالية.
أما الأستاذ في كلية الاقتصاد في جامعة قطر، جلال قناص، فينطلق من التطورات الميدانية الأكثر حدّة، إذ نجحت الدفاعات القطرية في صد عشرات الصواريخ والمسيرات الإيرانية، وحماية الجبهة الداخلية دون خسائر بشرية أو أضرار كبيرة في البنية التحتية.
ويصف قناص هذا النجاح الدفاعي بأنه عامل طمأنة رئيسي يعزّز الثقة بالاستقرار الداخلي، لكنه يلفت إلى أن" المعركة الاقتصادية الحقيقية" تجري في البحر، عند مضيق هرمز، فقد أدى توقف الملاحة أو تلقي السفن تحذيرات بعدم العبور إلى شلل مؤقت في حركة الناقلات.
ويعتبر قناص في حديث مع" العربي الجديد" أن الاقتصاد القطري يعتمد بدرجة شبه كاملة على مضيق هرمز لتسويق الغاز المسال والنفط نحو آسيا وأوروبا، وأن تعطل العبور لا يعني سقوط العقود طويلة الأجل، لكنه يفرض تأخيراً في التدفقات النقدية ويُربك الجدولة التشغيلية للأسطول، مع ارتفاع حاد في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب.
وإلى جانب الصادرات، تتأثر الواردات المتجهة إلى الموانئ القطرية، ما يخلق تقلبات مؤقتة في أسعار التوريد، رغم امتلاك قطر احتياطيات استراتيجية وغذائية قادرة على امتصاص الصدمة الأولى بكفاءة.
وعن مآلات الأزمة، يتوقع أستاذ الاقتصاد تدخلاً دولياً سريعاً لتأمين ممرات آمنة، إذ لا يمكن للاقتصاد العالمي تحمل إغلاق ربع تجارة الغاز المُسال ونسبة كبيرة من النفط لفترة طويلة دون عواقب ركودية حادة.
ويرى أن الرهانات الاستراتيجية تتركز على الدبلوماسية القطرية التي راكمت رصيداً براغماتياً وموثوقاً، ما يتيح للدوحة السعي لتحييد ناقلاتها عن بنك الأهداف، بالتوازي مع رهان إيراني خطِر على استخدام ورقة هرمز كأداة ضغط قصوى، وهو رهان قد ينقلب على طهران بتسريع وتيرة المواجهة وانخراط أطراف دولية إضافية.
وفي ما يخص البدائل، يشير قناص إلى أن افتقار قطر لخطوط أنابيب تتجاوز هرمز يجعل من خطط الطوارئ التجارية واللوجستية" طوق نجاة" أساسياً، من بين هذه الأدوات، تفعيل عقود مبادلة الغاز مع شركاء في أميركا أو أستراليا لتسليم الشحنات نيابة عن قطر، استخدام سعات التخزين الأرضي والبحري إلى أقصى مدى، تشغيل الجسر الجوي لتعزيز الإمدادات الحيوية، والاستفادة من موانئ إقليمية خارج حوض المضيق في عمليات التفريغ وإعادة الشحن، كما يبرز دور صندوق الثروة السيادي بوصفه صمام أمان يضمن استمرار الإنفاق الحكومي واستقرار الداخل حتى في أطول السيناريوهات زمناً.
على الضفة الأخرى، تبدو كلفة تعطيل هرمز على إيران نفسها باهظة، فهي تعتمد بدورها على هذا الممر لجزء كبير من صادراتها النفطية، وأي إغلاق فعلي أو شبه إغلاق يقطع عنها شرياناً مالياً حيوياً في ظل العقوبات والضغوط القائمة.
ومع طول أمد الحرب، تتعمق خسائر طهران من تراجع الإيرادات وتآكل العملة واشتداد السخط الداخلي، فيما تتقدم دول منافسة في سوق الطاقة لملء الفراغ، بمن في ذلك منتجون من الخليج وشرق المتوسط وأفريقيا والأميركتين.
في المحصلة، يلتقي رأيا أبو عرفات وقناص عند نقطة مركزية، أي تعطيل جدي للملاحة في مضيق هرمز يشكل صدمة قوية للاقتصاد العالمي، لكنه في الوقت نفسه يكشف الفارق بين اقتصاد يملك أدوات مرونة واحتياطاً وتحالفات، مثل قطر، واقتصاد يغامر باستخدام ورقة المضيق وهو أكثر من يدفع ثمنها، مثل إيران، وبين صعود مؤقت في عوائد الطاقة للدول المصدّرة واستنزاف متراكم لطهران، تبقى المدة الزمنية واتساع رقعة الحرب هما العاملان الحاسمان في تحديد من يخرج من" حرب هرمز" بأقل قدر من الخسائر وأكثر قدر من الفرص.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك